يسرا زهران: لعنة الحروب الحديثة.. كل شيء يتحول إلى سلاح
يسرا زهران: لعنة الحروب الحديثة.. كل شيء سلاح

يسرا زهران تكتب: لعنة الحروب الحديثة.. كل شيء متاح يتحول إلى سلاح

مقدمة: كتاب الرئيس الفنلندي

عندما أصدر الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، منذ شهور قليلة، كتابه الذي حمل عنوان: "مثلث القوة: إعادة التوازن إلى النظام العالمي الجديد"، لم تكن الحرب الأمريكية ضد إيران قد انطلقت بعد. لم يكن العالم، ولا الرئيس الفنلندي، قد شهد تحويل مضيق هرمز إلى سلاح يعطل سير الطاقة والغاز والنفط في شرايين العالم كورقة ضغط في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. لم تكن التهديدات بتدمير البنية التحتية، سواء في إيران أو فيما حولها، قد انطلقت من الجانبين لتضيف طبقات أكثر تعقيداً للدول وإيلاماً للشعوب، حتى تلك التي تقع خارج النطاق المباشر لضربات الحرب.

رؤية ستوب: العولمة سلاح ذو حدين

يقول ستوب: "ما كان يعزز النمو ويقلل الفقر بين الدول أصبح يضاعف أسباب الخسائر فيها". يجلس ألكسندر ستوب على مرمى حجر من حرب أخرى غيرت مجرى الحروب في تاريخ أوروبا الحديث، وتحولت فيها أدوات الحياة التي تعتمد عليها الشعوب في أيام السلم إلى أسلحة غير مألوفة ساعة الحرب. تلك هي الحرب الروسية الأوكرانية الدائرة منذ ثلاث سنوات، خلالها كان ستوب يتناول العشاء مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ويتبادل الرسائل الهاتفية مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، ويسجل تفاصيل ذلك كله في كتابه الذي خصص فيه أجزاء كبيرة للحديث عن الطريقة التي ينظر بها أحد رؤساء أوروبا إلى تطورات الحروب الأخيرة في المناطق المختلفة في عالم اليوم. كيف يتغير شكل الصراع، والأطراف المتحاربة داخله، والأسلحة المستخدمة فيه، من ميدان المعارك المباشرة في أوكرانيا وغزة، وحتى عمليات التخريب التي تضرب البنية التحتية والرقمية في بحر البلطيق ودول أوروبا على يد مجهولين. خلال ذلك، سجل الرئيس الفنلندي رؤيته لحال عالم تغير من سيئ إلى أسوأ، ومن مواجهات لا يكتوى بنيرانها إلا من أشعلها إلى ضربات موجعة يتطاير شررها ليصيب القريب والبعيد منها على حد سواء.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

جذب القلوب والعقول: مجال مخترق من القوى الأجنبية

يصف ستوب الساحة العالمية المشتعلة في عالم اليوم في كتابه قائلاً: "لو عاد بي الزمن إلى الوراء، إلى بداية التسعينات من القرن الماضي، لكي أصف لنفسي في شبابي ما أراه في عالم اليوم، ما صدقت نفسي. سيكون عليَّ أن أشرح لنفسي الشابة أن هناك اليوم غزواً روسياً لأوكرانيا حطم السلام في أوروبا، وأن حركة حماس قامت بتوغل قاتل داخل جنوب إسرائيل أدى إلى مقتل 1200 جندي ومدني وأخذ ما يقرب من 250 رهينة، وأن إسرائيل ردت على هذا بحملة عسكرية مدمرة تسببت في مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم من النساء والأطفال، وأشعلت الصراع في لبنان وإيران، وأن السودان أصبح اليوم عالقاً من جديد في حرب أهلية دموية". ويواصل: "تلك سوف تكون الحكايات عن الصراعات العسكرية فقط في عالم اليوم. هناك أيضاً الصراعات الاقتصادية، مثل العقوبات والرسوم الجمركية، والهجمات الموجهة ضد النظم المالية والبنية التحتية، مثل التخريب والهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات، مثل التضليل الرقمي والترويج والدعاية لأفكار معينة عابرة للحدود. على امتداد السنوات الخمس والثلاثين الأخيرة كل شيء يتعلق بالصراعات قد تغير، بدايةً من مدى وحجم الصراع، مروراً بنوعية المقاتلين فيه، وحتى الأسلوب الذي يتقاتلون به".

"هذا ليس عالماً يحيا في سلام، بل هو عالم من التوترات المتصاعدة، وهو الأمر المتوقع عندما يتم إضعاف المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، وتصبح العلاقات الدولية أقرب إلى المعاملات التجارية. من دون حدود وقواعد ومعايير واضحة، ولا اعتماد على المؤسسات الدولية، يصبح التنافس بين الدول أكثر صعوبة في الاحتواء". ويضيف: "إن المؤسسات الدولية التي تم إنشاؤها من أجل منع مثل هذه الصراعات، خاصة الأمم المتحدة، ليست مهيأة للاستجابة بشكل فعال لهذا الوجه الجديد للصراع في عالم اليوم. أظهرت هذه المؤسسات، خلال الحروب الحالية الدائرة في أوكرانيا وإسرائيل وفلسطين والسودان، أنها عاجزة وبلا حيلة إلى حد كبير. ومن دون قيادة واضحة من مؤسسة دولية، يصبح من الصعب التوصل لاتفاق سلام يأخذ في الاعتبار التداعيات ذات المدى الأوسع. ما يحدث بدلاً من ذلك هو أن القوى الكبرى واللاعبين الأقل حجماً يعقدون صفقات واتفاقات تخدم مصالحهم الخاصة. وعندما تكون الحلول أقرب للمعاملات التجارية فإنها تكون بطبيعتها ضيقة ومؤقتة".

المسؤولية الكبرى للقادة: منع التوترات من الانفجار

يتابع ستوب: "المسؤولية الكبرى بالنسبة للقادة العالميين هي منع التوترات من الوصول لنقطة الانفجار التي تصبح فيها صراعاً صريحاً، وأن يمنعوا الحروب الإقليمية من التحول إلى حروب عالمية. يتوقف النجاح في ذلك على المدى الذي يمكن أن يتعاون فيه العالم، بمعنى إعادة تشكيل نظام دولي قائم على قواعد قادرة على إدارة التنافسية بين الدول قبل أن تتحول إلى صراع". ويواصل كتاب ستوب: "لقد تغيرت طبيعة الصراعات نفسها تدريجياً على نحو جعل كثيرين، بمن فيهم أنا شخصياً، لا ينتبهون إلى هذا التغير. خلال فترة الحرب الباردة، كانت معظم الحروب هي حروباً أهلية أو حروباً بالوكالة. كانت تكلفة ذلك أمراً رهيباً بالنسبة لمن يعيشون في مناطق تلك الحروب، لكن الدول الغربية الثرية والاتحاد السوفيتي وقتها كانت تتأثر مباشرةً فقط لو أنها أرسلت قواتها إلى الخارج. ومن وقتها كنا نعتقد أن كل الحروب لا يمكن إلا أن تكون حروباً محلية، وكانت ثقة الغرب في مستقبل يسوده السلام بعد الحرب الباردة كبيرة إلى الحد الذي تخلى فيه حلف شمال الأطلسي (الناتو) تقريباً عن قوته القتالية التقليدية مكتفياً بقوات استكشافية أصغر وأقل تكلفة لدعم الأمن في المناطق التي ما زال يسودها الاضطراب. في الوقت نفسه أعادت الأمم المتحدة تشكيل هياكلها الأمنية للتعامل مع الحروب الأهلية وليس الحروب بين الدول".

ويضيف: "لكن بعدها بفترة قصيرة، بدأت الصراعات المحلية تتحول إلى حروب إقليمية. نجحت الحرب الأمريكية على الإرهاب في إبعاد حركة طالبان عن أفغانستان فقط ليواصل المتطرفون الإسلاميون الحرب من باكستان. في الوقت نفسه، بدأ تركيز القتال يتحول من الحروب بين الدول إلى اللاعبين من غير الدول. أصبحت الجماعات الإرهابية ومجموعات المتمردين هي الهدف الرئيسي للتحرك العسكري للدول. لقد قامت الهجمات الإرهابية ضد الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001 بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك لحلف شمال الأطلسي للمرة الأولى في التاريخ، كي يتحرك الحلف في حرب للرد على هذه الهجمات. من جانب آخر، أصبحت مناطق الأزمات الملتهبة مثل سوريا مناطق صراعات معقدة ذات أبعاد إقليمية ودولية. في الوقت الذي أدركت فيه الولايات المتحدة أن غزو دولة ما هو أمر، والإبقاء على هذا الغزو هو أمر آخر، وأصبح الهيكل السياسي فيها يتراجع عن دور شرطي العالم الدولي الذي كانت تلعبه، وتقدمت روسيا والصين لملء ذلك الفراغ. كان التدخل الروسي في جورجيا عام 2008، وفي القرم عام 2014، علامة أكيدة على أن طبيعة الصراعات الدولية قد تغيرت. أخيراً، فإن الغزو الروسي لأوكرانيا والحرب في إسرائيل وفلسطين قامتا بتوسيع دائرة الصراع من المحلية إلى الإقليمية على نحو لا يمكن إغفاله ولا تجاهله. لقد عادت الحروب بين الدول من جديد".

أساليب الحروب: من التكنولوجيا إلى التخريب

ويواصل ستوب: "كذلك لم تعد أساليب الحروب مثلما كانت عليه من قبل. جزء من فاعلية نجاح إسرائيل في حربها يعود إلى التفوق التكنولوجي، إلى الحد الذي وصلت فيه إلى تفجير آلاف من أجهزة البيجر لدى أعضاء حزب الله على امتداد لبنان في توقيت واحد بضغطة زر من تل أبيب. روسيا وأوكرانيا من الناحية الأخرى، لديهما خبرة عالية في الحروب الحديثة. عندما بدأ الاجتياح الروسي، طلب الأوكرانيون من حلفائهم تزويدهم بالذخيرة والدفاعات الجوية والصواريخ. لكن مع دخول الحرب عامها الثالث كانوا يطلبون من حلفائهم تمويل إنتاج وتصنيع الطائرات المسيرة. هذه مجرد لمحة من المستقبل الذي وصل إلينا بالفعل". ويتابع: "في الوقت نفسه، فإن أنظمة السلام والأمن الدوليين التي تم تصميمها لمنع مثل هذه الصراعات صارت عاجزة عن التكيف مع ما يحدث. وحتى هياكل الأمم المتحدة لحفظ السلام التي تمت إعادة تشكيلها في فترة الحرب على الإرهاب لم تكن قادرة على مواجهة هذا المزيج المعقد من اللاعبين والتشكيلات التي نراها اليوم، بل إن الأمم المتحدة وجدت نفسها مشلولة فيما يتعلق بكل تصويت حاسم لمجلس الأمن مع الفيتو الصيني والروسي ضد ما يتعلق بأوكرانيا، والفيتو الأمريكي ضد ما يتعلق بإسرائيل وفلسطين. هذا الفراغ يترك المجال مفتوحاً لسياسات القوى الكبرى، ويمهد الطريق أمام روسيا للوصول إلى صفقة ما مع الولايات المتحدة، أو أمام إيران لكي تلعب دوراً في المواجهة بين إسرائيل وفلسطين، وتتحرك من خلال عملائها بالوكالة مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان من أجل الحصول على مكاسب للدولة الإيرانية".

ويواصل الرئيس الفنلندي: "إن عودة الحروب كما هي الحال في غزة وكذلك في أوكرانيا قد أظهرت وجود تغييرات دراماتيكية في الأسلوب الذي تدار به هذه الحروب. لو أن سلاحاً واحداً مدمراً فيما مضى كان يكفي ليطير النوم من أعيننا، فقد صرنا اليوم غير قادرين على حصر عدد الأدوات التي يتم استخدامها في الصراع. ومن المثير للسخرية أن هذا التحول قد نشأ جزئياً من الترابط الدولي الذي قمنا نحن أنفسنا بتنميته. إن نفس ترابط العولمة والتداخل بين دول العالم الذي يعزز النمو ويقلل الفقر هو نفسه الذي يضاعف من عدد الأدوات التي يمكن أن تستخدمها دولة ما للتسبب في خسائر وألم لدولة أخرى. من الناحية الافتراضية، فإن كل شيء، من المعلومات وحتى التكنولوجيا، من الطاقة وحتى العملة، من المواد الخام وحتى الهجرة، يمكن تحويله إلى سلاح".

تحويل كل شيء إلى سلاح: نتيجة غير محسوبة للعولمة

تحويل كل شيء تعتمد عليه الشعوب إلى سلاح في الأزمات، كما يرى الرئيس الفنلندي، هو نتيجة أو أثر جانبي لم يكن أحد يحسب حسابه في نظام العولمة، يقول: "لقد كانت هناك تطورات تستهدف التقريب بين الأمم، منها نظام التجارة المفتوح وأسواق الاستثمارات والحركة الحرة للعمالة، وحتى الشبكة العنكبوتية أو الإنترنت، لكن كل هذه الأمور يمكن تحويرها لخدمة أهداف المواجهة والصراع. إن الحروب الهجينة، أي التي تمتزج فيها الأسلحة الاقتصادية والتكنولوجية والنفسية، هي التي سوف تشكل صراعاتنا المستقبلية والأسلوب الذي نحارب به. لم يعد هناك خط واضح يفصل بين الحروب التقليدية واستراتيجيات المواجهة المتفرقة، أو بين الحرب الرسمية والأفعال الاستفزازية الأكثر خفاءً. أصبحت الحدود مموهة، وكلنا، سواء قادة أو مواطنون على حد سواء، علينا أن نكون مستعدين".

العقوبات والرسوم الجمركية وإرباك سلاسل الإمداد: أسلحة اقتصادية

يتابع ستوب: "تراكمت التكتيكات والأساليب المستخدمة في الحروب الهجينة خلال العقود الأخيرة التي تدهورت فيها العلاقات الدولية لتصبح أشكالاً من المنافسات المتزايدة العدوانية. الأساليب التي كانت قاصرة من قبل على اللاعبين من غير الدول صارت الدول نفسها تستخدمها ضد دول أخرى. فعلى سبيل المثال، من الناحية الاقتصادية، يمكن للدول أو مجموعة من الدول أن تطبق عقوبات، وتجمد أصول أفراد أو جماعات، وتقيد الوصول إلى الأسواق المالية، أو تُحدث ارتباكاً في سلاسل الإمداد، أو تفرض رسوماً جمركية. من الناحية التكنولوجية، يمكن للدول التي تحوم في الأركان المظلمة للإنترنت أن تقوم بقرصنة أنظمة الكمبيوتر الخاصة بالحكومات الأجنبية أو الشركات الخاصة، وتسرق البيانات منها، مُحدثةً قدراً كبيراً من الاضطراب والفوضى. صارت الهجمات السيبرانية أو تخريب البنية التحتية المعلوماتية جبهة مفتوحة بشكل متواصل بين الدول التي لا تدخل في حروب فعلية". ويضيف: "أما في مجال المعلومات، فإن المنافسة لكسب القلوب والعقول لم تعد قاصرة على الأحزاب القومية أو السياسيين في الدول وإنما أصبحت مجالاً مفتوحاً ومخترقاً بشكل متزايد تسيء استخدامه القوى الأجنبية. كل من وسائل التواصل الاجتماعي، ومؤخراً ابتكارات الذكاء الاصطناعي، تضخم من قوة المعلومات المضللة. حتى حركات الهجرة البشرية يمكن أن يتم استخدامها كشكل من أشكال المواجهة، كأن تضغط دولة ما مثل روسيا على دولة مجاورة لها مثل فنلندا من خلال إرسال حشود من المهاجرين إليها".

فاعلية التخريب السيبراني: لا أحد يعرف من وراءه يقيناً

ثم ينتقل ستوب للحديث تحديداً عن الحرب التي تمس بلاده بشكل مباشر بحكم مشاركتها الحدود مع روسيا قائلاً: "روسيا تحديداً أثبتت أنها متفوقة بدرجة عالية في استخدام مثل هذه التكتيكات الهجينة في الصراعات، وتظهر حربها ضد أوكرانيا ذلك بوضوح. هي من وجه ما تشبه القالب التقليدي للاستحواذ على جزء من الأرض، لكن مع تطورات الحرب استخدمت موسكو ما هو أكثر من أدوات الحرب التقليدية، ووصلت إلى ما وراء حدود أوكرانيا خلال سعيها لإضعاف الدعم الدولي لكييف. سعت إلى زعزعة السياسات الداخلية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من خلال التدخل في الانتخابات ونشر المعلومات المضللة عبر المنصات الرقمية. تتنوع الأساليب من إرباك إمدادات الغاز والطاقة. والهجمات على مناطق البنية التحتية الضرورية والحرجة، والعمليات السيبرانية واسعة النطاق المحسوبة بدقة لإحداث ارتباك اقتصادي. في نهاية عام 2024، تعرض بنك نورديا، الذي يعتمد عليه ما يقرب من ثلث الشعب الفنلندي إلى سبعين يوماً متتالياً من الهجمات السيبرانية التي نجحت في إسقاط النظام البنكي لأكثر من 12 ساعة متواصلة، وتعرَّضت أنظمة الحواسب في الحكومة ونظام الرعاية الصحية الأمريكي أيضاً لهجمات. مَن الذي يقف تحديداً وراء هذه الهجمات؟ الواقع أن جزءاً من فاعلية هذه الأساليب أن أحداً لا يمكنه أن يعرف الإجابة على وجه اليقين".

ويواصل: "من ناحية أخرى أكثر وضوحاً، حاولت روسيا وبيلاروسيا أن تحولا الهجرة غير المنظمة إلى سلاح، لتقدما نقطة انطلاق أو قفز لمن يفرون من الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط ويريدون الوصول إلى أوروبا الغربية، الأمر الذي أذكى لهيب التوجهات الشعبوية والانعزالية بين حلفاء أوكرانيا. لقد أغلقت فنلندا حدودها مع روسيا لأن موسكو على الأرجح سوف تسير رحلات طيران إليها تحمل الآلاف من طالبي اللجوء من اليمن وإثيوبيا وإريتريا وسوريا والعراق، من أجل إرهاق فنلندا وإحداث توترات داخلية فيها". ويتابع: "النتيجة النهائية لذلك تشبه الفيلم الذي تم إنتاجه عام 2022 تحت عنوان "كل شيء في كل مكان دفعة واحدة". الحرب في صورتها التقليدية مستمرة، تصاحبها وتزيدها تعقيداً دوامة من التدخلات في مناطق أخرى، معظمها يأتي من مصادر يصعب تحديدها أو التعرف عليها. هدف المعتدين فيها هو تمويه الحد الفاصل بين الحرب والسلام، وأن يستخدموا الترهيب والإكراه من دون إعلان العداء رسمياً، وهو الأمر الذي يمثل معضلة بالنسبة للخصوم. هل يُعتبر قطع كابل حيوي في الخدمات الرقمية (كما حدث في بحر البلطيق بالقرب من العاصمة الفنلندية هلسنكي) بمثابة إعلان حرب يمكن أن يقود الناتو إلى تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك؟ كيف يمكننا التأكد من أنه يعبر عن عمل تخريبي متعمد؟ مثل هذه التكتيكات الهجينة تشوش الرؤية ويمكن أن تؤدي إلى تصعيد غير متوقع".

الولايات المتحدة وحلفاؤها: العقوبات الاقتصادية والهجمات المالية

ويواصل: "من جانبها، ارتفعت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون بالعقوبات الاقتصادية والهجمات المالية إلى مستوى جديد من القوة. قامت القوى الغربية بتجميد الأصول المالية لروسيا، واستخدام فوائدها وعوائدها لتمويل الأسلحة التي تذهب لأوكرانيا. أدت القيود على الصادرات والواردات إلى إغلاق الكثير من جوانب التجارة الروسية مع الغرب، مما شكل ضربة موجعة للاقتصاد القومي الروسي الذي يعتمد على صادرات الغاز. واستعرض الغرب عضلاته أيضاً فيما وراء روسيا لإظهار القوة أمام غريم آخر هو الصين. قررت عدة إدارات أمريكية متعاقبة، تدرك أن القوة العسكرية ترتكز على القدرات التكنولوجية، منع بيع شرائح سيليكون متقدمة إلى الصين، وإبقاء الشركات الصينية بشكل فعال خارج قطاع التكنولوجيا الأمريكي". ويضيف الرئيس الفنلندي: "الواقع أن تحويل كل شيء إلى سلاح يؤدي إلى أمرين كلاهما يتعدى الأهداف الأساسية المقصودة منه. الأمر الأول هو مزيد من إضعاف النظام العالمي. العقوبات الاقتصادية مثلاً ليست جديدة، وهي تسهم في ممارسة ضغوط على أحد الأطراف المتحاربة من دون الدخول في حرب مباشرة معه. إلا أن العقوبات تحمل مخاطر أيضاً بالنسبة لمن يقومون بفرضها. إن دور الدولار مثلاً باعتباره عملة الاحتياطي النقدي الوحيدة عالمياً يمنح واشنطن سيطرة لا تُبارى على النظام المالي العالمي، ويسمح لها بإجبار الدول الأخرى على منع أى مدفوعات من وإلى أعداء الولايات المتحدة. إلا أنه كلما زاد استخدام ذلك السلاح، تعاظم الدافع لدى الآخرين لبناء أنظمة بديلة لتجاوز الدولار، وبدأت روسيا والصين في السير بالفعل في هذا الاتجاه".

ويتابع: "الأمر الثاني هو أن الحرب الروسية في أوكرانيا قد أظهرت أن خطوة الانتقال من حملات التضليل المعلوماتي والهجمات السيبرانية إلى التدمير المادي هي خطوة صغيرة تحدث بسرعة. كذلك، وبالإضافة إلى عمليات تخريب كابلات الاتصالات في بحر البلطيق، كانت عمليات التخريب داخل دول الاتحاد الأوروبي تتضمن استهداف شبكات الطاقة والكهرباء وغيرهما من منشآت البنية التحتية الحيوية، ومن الممكن أن تتضمن عمليات التخريب مستقبلاً عوامل بيولوجية تستهدف الصحة العامة. إن تحويل كل شيء إلى سلاح قد اختصر مسافة الانتقال من منطقة التنافس إلى منطقة الصراع الدولي، وأصبح تداعي النظام العالمي يزيد من خطر وتهديد الحروب الصغيرة التي تتورط فيها القوى الكبرى".