في السنوات الأخيرة، بدا الخطاب الاقتصادي الرسمي في مصر وكأنه يعيش داخل جداول الأرقام أكثر مما يعيش داخل بيوت الناس. تتكرر عبارات من قبيل: ارتفاع معدلات النمو، وتحقيق فائض أولي، وزيادة الاحتياطي النقدي، وتدفق الاستثمارات، وكأن هذه المؤشرات وحدها تكفي لإقناع المواطن بأن أحواله تتحسن.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن الناس لا تأكل معدلات النمو، ولا تدفع فواتير الكهرباء والدواء بالفائض الأولي، ولا تشعر بارتفاع الاحتياطي النقدي وهي عاجزة عن مجاراة أسعار الغذاء والإيجارات والعلاج والتعليم. المشكلة لم تعد في نقص الأرقام، بل في غياب أثرها الحقيقي على حياة المواطنين، فكيف يمكن لاقتصاد يحقق نموًا معلنًا أن يتراجع فيه مستوى المعيشة بهذا الشكل؟ وكيف يمكن الحديث عن نجاح اقتصادي بينما تلتهم الديون وفوائدها معظم الموازنة العامة، فتضيق المساحة المتبقية للصحة والتعليم والدعم والاستثمار المنتج؟
لقد أصبح المواطن المصري يعيش مفارقة قاسية؛ يسمع عن تحسن الاقتصاد، لكنه يزداد إنهاكًا. يرى مشروعات ضخمة، لكنه يشعر بانكماش دخله. يسمع عن استثمارات بمليارات الدولارات، لكنه لا يجد أثرًا مباشرًا لذلك في فرص العمل أو في استقرار الأسعار أو في تحسن الخدمات الأساسية. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: الفجوة الواسعة بين الاقتصاد الكلي الذي تتحدث عنه الحكومة، والاقتصاد اليومي الذي يعيشه الناس.
جوهر الأزمة: طبيعة النمو
إن جوهر الأزمة ليس فقط في حجم الدين، بل في طبيعة النمو نفسه. فحين يعتمد الاقتصاد على التوسع في الاقتراض، وعلى الإنفاق الرأسمالي الضخم غير المرتبط مباشرة بالإنتاج والتصدير، يصبح النمو هشًا، وتتحول الدولة إلى كيان يعمل لتدوير الديون أكثر مما يعمل لبناء اقتصاد منتج. ومع كل موجة اقتراض جديدة، تتضخم فاتورة الفوائد، فيدخل الاقتصاد في دائرة مفرغة: نستدين لسداد ديون سابقة، ونرفع الأسعار لتقليل العجز، فيتحمل المواطن فاتورة الإصلاح وحده.
أزمة أشخاص أم أزمة سياسات؟
ولعل السؤال الأهم الآن: هل الأزمة أزمة أشخاص أم أزمة سياسات؟ الحقيقة أن تغيير الوزراء أو حتى رئيس الحكومة قد يمنح الناس جرعة أمل مؤقتة، لكنه لن يصنع معجزة إذا بقيت الفلسفة الاقتصادية ذاتها قائمة على الاقتراض والتوسع في المشروعات غير المنتجة بالقدر الكافي، وإضعاف دور القطاع الخاص الحقيقي، وتراجع الصناعة والزراعة أمام اقتصاد الخدمات والاستهلاك.
المسألة أعمق بكثير من مجرد تغيير أسماء. نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة لأولويات الاقتصاد المصري. بحاجة إلى الانتقال من اقتصاد الأرقام إلى اقتصاد الإنسان. من اقتصاد الديون إلى اقتصاد الإنتاج. من الإنفاق الذي يستهلك الموارد إلى الاستثمار الذي يخلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.
خارطة طريق للخروج من الأزمة
إن أي خارطة طريق حقيقية للخروج من كبوة الدين وأعياء الاقتصاد يجب أن تبدأ بعدة مسارات متوازية:
أولاً: إعادة الاعتبار للإنتاج
إعادة الاعتبار للإنتاج الصناعي والزراعي باعتبارهما العمود الفقري لأي اقتصاد قوي. فلا يمكن لدولة بحجم مصر أن تعيش على الاستيراد والخدمات والتحويلات فقط. المطلوب هو دعم المصانع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير تمويل منخفض التكلفة للقطاعات الإنتاجية، وتخفيف الأعباء البيروقراطية والضريبية عن المستثمر المنتج لا المستثمر الباحث عن المضاربة السريعة.
ثانياً: وقف نزيف الاستدانة
وقف النزيف المستمر في الاستدانة إلا في أضيق الحدود الإنتاجية الضرورية. فليس كل مشروع ضخم يعني بالضرورة تنمية حقيقية. التنمية ليست في حجم الخرسانة، بل في عدد فرص العمل المستدامة التي يخلقها المشروع، وفي قدرته على زيادة الصادرات وتقليل الواردات وتحسين حياة الناس.
ثالثاً: إعادة هيكلة أولويات الإنفاق
إعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام، بحيث تصبح الصحة والتعليم والنقل العام والغذاء الآمن في مقدمة الاهتمامات، لأن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان لا فقط ببناء الطرق والكباري.
رابعاً: إطلاق القطاع الخاص
إطلاق مساحة أكبر للقطاع الخاص الوطني الحقيقي بعيدًا عن الاحتكار والمنافسة غير المتكافئة، لأن الاقتصاد لا ينمو بالأوامر، بل بالمنافسة والإبداع وحرية السوق المنضبطة بالعدالة.
خامساً: استعادة الثقة
أما المسار الخامس، فهو الأكثر حساسية وأهمية: استعادة الثقة. فلا اقتصاد ينهض في ظل خوف المستثمر، ولا مجتمع يتحمل الإصلاح بلا أمل. الناس تستطيع الصبر إذا شعرت أن هناك عدالة في توزيع الأعباء، وأن الجميع يدفع الثمن، لا أن يتحمله محدودو الدخل وحدهم عبر موجات متتالية من التضخم ورفع الأسعار.
الخلاصة: نحو اقتصاد إنساني
لقد أثبتت التجارب أن الاقتصادات لا تسقط فجأة، لكنها تُستنزف تدريجيًا حين تصبح الديون أسلوب حياة، وحين يتحول المواطن إلى مجرد متلقٍ لفواتير الإصلاح دون أن يكون شريكًا في ثماره. وما نحتاجه الآن ليس فقط أرقامًا مطمئنة، بل رؤية اقتصادية أكثر إنسانية وواقعية، تعترف بأن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بما تملكه الدولة من احتياطيات، بل بما يشعر به المواطن من كرامة وأمان وقدرة على الحياة. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا ننتظر؟ هل ننتظر أن تبتلع خدمة الدين ما تبقى من الموازنة؟ هل ننتظر مزيدًا من تآكل الطبقة الوسطى؟ هل ننتظر أن يتحول الشباب بالكامل إلى جيش من الباحثين عن أي فرصة مؤقتة بلا إنتاج حقيقي؟
إن اللحظة الحالية لم تعد تحتمل تجميل الأزمة أو الاكتفاء بخطابات الطمأنة. المطلوب شجاعة اقتصادية تعيد ترتيب الأولويات، وتنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، قبل أن يصبح ثمن التأخير أفدح بكثير من ثمن الإصلاح الحقيقي.



