في لحظة الفراغ الكبرى التي يعيشها الشرق الأوسط، يبرز سؤال جوهري: من يملك القدرة على إدارة الأزمات بدلاً من مجرد التعليق عليها؟ الإجابة التي تفرض نفسها، بمنطق القوة الهادئ وفحص المعطيات، هي أن مصر باتت الأقرب لملء هذا الفراغ. لكن المسألة ليست فرصة سنحت فجأة، بل نتيجة منطقية لسياسة مصرية امتدت عبر عقود، قامت على التوازن والتنوع في شبكة العلاقات.
الفراغ الاستراتيجي في الشرق الأوسط
ثمة حقيقة أولى في علم السياسة تقول إن الفراغ لا يدوم. وحين يقع فراغ في قلب أي نظام، تتزاحم قوى متعددة لملئه، بعضها يحمل مشروعاً، وبعضها لا يحمل سوى نزق المغامرة، وبعضها الآخر يملك القدرة على إشعال الحرائق. والشرق الأوسط يعيش اليوم واحدة من لحظات الفراغ الاستراتيجي النادرة، وهي لحظة أعمق من سابقاتها، إذ إنها فراغ هيكلي مركب، يتكون من تراجع أدوار تقليدية وتفكك تحالفات وتآكل مفهوم الدولة الوطنية المركزية.
مقارنة الأدوار الإقليمية
لنأخذ نموذج الوساطة القطرية، التي أتقنت فن المسافة الآمنة. لقد تأثر هذا الدور وتراجع بشكل واضح، لأن دوامة التصعيد أصابت تلك المسافة في مقتل. في المقابل، القاهرة حافظت على تلك المسافة، ليس على سبيل الحياد، بل انحيازاً مطلقاً لمصالحها الاستراتيجية العليا. وهذا الموقف هو ما يجعلها مقبولة من كل الأطراف في وقت الاستقطاب الحاد.
الذكاء الاستراتيجي المصري
يتجسد الذكاء الاستراتيجي المصري في نسيج علاقاتها الفريد. على الجانب الأمريكي، ثمة علاقة مؤسسية راسخة، ابنة عقود من التعاون العسكري والأمني والاستخباراتي. وعلى الجانب الإسرائيلي، تدير القاهرة علاقتها بآليات واضحة يضبطها إطار اتفاقية السلام، مع رفض أن تكون هذه العلاقة على حساب العمق العربي أو الحقوق الفلسطينية. وفي البعد الأكثر تعقيداً، القاهرة لم تقطع قنواتها مع طهران، بل أدارتها بهدوء ومن خلال صيغ غير مباشرة، مما يخلق خط اتصال مع المحور الآخر دون مواجهة مع الحلفاء التقليديين.
الخبرة التراكمية والثقل الجيوستراتيجي
امتلاك شبكة العلاقات ليس كافياً، فالوساطة الناجحة تتطلب خبرة تراكمية وذاكرة مؤسسية. القاهرة تملك أقدم وأعمق خبرة في التفاوض مع الإسرائيليين، وإدارة الأزمات المتكررة في غزة. أضف إلى ذلك الثقل الجيوستراتيجي الذي يجعل مصر طرفاً مباشراً في المعادلة، إذ إن سيناء وغزة يمثلان خاصرة الأمن القومي المصري. وهذا يمنح القاهرة مصداقية من نوع خاص، فهي ليست مجرد وسيط، بل شريك في النتيجة.
التحالف المصري السعودي
تبرز العلاقات المصرية السعودية كحجر زاوية لا غنى عنه في أي معادلة إقليمية مقبلة. الرياض حليف استراتيجي للقاهرة، وتمتلك ثقلاً اقتصادياً هائلاً، بينما تمتلك مصر العمق البشري والعسكري والخبرة المؤسسية. التحالف المصري السعودي، إن ترجم إلى إطار عمل استراتيجي متين، سيكون نواة صلبة لاستعادة مركزية القرار العربي في وجه العواصف الإقليمية.
المخاطر والتحديات
الفراغ الاستراتيجي فرصة ذهبية، لكنه محفوف بمخاطر استثنائية. الأطراف الإقليمية أصبحت أكثر تشبعاً بالأيديولوجيا والمشاريع الكونية، التي لا تفهم لغة المصالح الجزئية أو الحلول الوسط. أي محاولة للوساطة قد تنهار في لحظة بسبب متغير عسكري غير محسوب. وهنا يتسلل الخطر الأشد: الحروب الصامتة التي تستهدف العقول والهويات، وتفكك الثوابت الوطنية. هذه الحروب تضرب المشروع الوطني في مقتله، فكيف لدولة أن تملأ فراغاً استراتيجياً وهي تواجه محاولات لتفريغها من الداخل؟
السؤال الجوهري
ليس السؤال هو هل بوسع مصر أن تلعب هذا الدور، بل هل ستفعل ضمن رؤية استراتيجية شاملة لإعادة تشكيل بيئتها الإقليمية، أم ستكتفي بردود فعل على أزمات عابرة؟ الفرق بين من يدير الأزمة ومن يصنع المستقبل. المنطقة لا تحتاج إلى ساعي بريد، بل إلى مهندس للتهدئة يدرك أن أي حرب إقليمية شاملة تهدد الأمن القومي المصري.
في لحظة الفراغ الراهنة، تبدو مصر، بمؤسساتها الممتدة في عمق التاريخ، الأكثر جاهزية لقيادة مسار التهدئة. هي تملك شبكة العلاقات المعقدة، والخبرة الراسخة، والقوة العسكرية الرادعة. ويبقى الرهان على الشجاعة والإرادة في تحويل هذه الجاهزية إلى فعل ملموس، برؤية واضحة تعيد ضبط المعادلة الإقليمية. والتاريخ لا يصالح من ينامون واقفين على أبوابه.



