من صعود الشعارات إلى السقوط الشعبي.. رحلة تراجع الإسلام السياسي في المنطقة
رحلة تراجع الإسلام السياسي في المنطقة

شهدت المنطقة العربية خلال العقود الماضية صعودًا لافتًا لجماعات الإسلام السياسي التي حاولت تقديم نفسها كبديل سياسي وديني قادر على إدارة الدولة وبناء المجتمعات، غير أن التجربة العملية في عدد من الدول سرعان ما كشفت عن فجوة واسعة بين الشعارات المرفوعة والممارسات على أرض الواقع. ومع تداخل الشق الديني بالسياسي بصورة أفضت في كثير من الحالات إلى اضطراب في الاستقرار العام، وتزايد أعمال العنف والإرهاب، وتنامي حالات الاستقطاب المجتمعي، ارتفعت حدة الغضب الشعبي بشكل غير مسبوق، ما دفع الشعوب إلى الخروج في موجات احتجاج وثورات رفضًا لهذا المسار، وسعيًا لاستعادة استقرار الدولة ومؤسساتها، ووعيًا بخطورة ما يسمى بالإسلام السياسي.

تلفظ عالمي متصاعد لجماعات الإسلام السياسي

في هذا الصدد، أكد منير أديب، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، أن الشعوب العربية والإسلامية لفظت جماعات الإسلام السياسي، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك في مختلف الأماكن التي تتواجد فيها هذه التنظيمات أو تسعى من خلالها إلى الوصول إلى السلطة. مشيرًا إلى أن الشعوب باتت أكثر وعيًا بطبيعة هذه الجماعات، الأمر الذي انعكس في موجات رفض واسعة لتواجدها في المشهد السياسي. موضحًا أن هذا الرفض لم يكن لحظة عابرة، بل جاء نتيجة تراكمات طويلة من التجربة السياسية مع هذه التنظيمات في أكثر من دولة.

واستشهد في هذا السياق، بأحداث بارزة مثل: ثورة 30 يونيو في مصر عام 2013، التي اعتبرها تعبيرًا مباشرًا عن رفض شعبي واسع لتجربة حكم جماعة الإخوان الإرهابية، إضافة إلى تجارب أخرى في بعض الدول العربية، من بينها المغرب، حيث شهدت هذه التيارات انتكاسة في حضورها السياسي والبرلماني، بما قضى على آمالها في الوصول لسدة الحكم. مؤكدًا أن هذه التحولات تعكس إدراكًا متزايدًا لدى الشعوب بأن هذه الجماعات تحمل مشاريع سياسية ذات طابع فاشي إقصائي يهدد استقرار الدولة الوطنية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تجربة الإخوان في مصر وتأثيرها على الوعي الدولي

وفي السياق المصري تحديدًا، أوضح منير أديب، أن المجتمع المصري كان في مقدمة المجتمعات التي أدركت مبكرًا خطورة جماعة الإخوان، وهو ما انعكس في تطور وعي جمعي انتهى إلى خروج واسع في ثورة 30 يونيو؛ رفضًا لاستمرار حكم الجماعة الإرهابية. وأضاف أن الحالة المصرية لم تكن معزولة، بل تحولت إلى نموذج ألهم شعوبًا عربية أخرى، حيث بدأت موجة مراجعة شاملة لتجارب الإسلام السياسي في المنطقة. فوفق هذا الطرح، كانت مصر نقطة البداية في سلسلة من التحولات السياسية التي يمكن تشبيهها بـ"تأثير الدومينو"، حيث تتابعت التداعيات واحدة تلو الأخرى. كما أدى سقوط تجربة الإخوان في حكم مصر إلى إعادة تقييم أوسع لدور هذه الجماعات في الحياة السياسية العربية والعالمية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

العنف والميليشيات المسلحة في مشهد الإسلام السياسي

وأشار الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، إلى أن جماعة الإخوان مارست العنف بصوره وأشكاله المختلفة، سواء كان عنفًا جنائيًا أو سلوكيًا أو لفظيًا أو سياسيًا، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد إلى التحريض المباشر على ممارسته. موضحًا أنها أنشأت ميليشيات مسلحة، مثل حركة «حسم» و«لواء الثورة» و«المقاومة الشعبية» و«حركة ضنك»، وغيرها من التنظيمات التي مارست أعمال عنف على الأراضي المصرية. مؤكدًا أن الجماعة وفرت الغطاء والملاذ الآمن لعدد من التنظيمات المتطرفة، بما في ذلك عناصر مرتبطة بتنظيم «داعش» الإرهابي في سيناء، بل ودافعت عنها عبر منصاتها الإعلامية في الخارج، انطلاقًا من اعتقادها بأن هذه التنظيمات تخدم أهدافها.

وتابع، أن هذه الجماعات تورطت في استهداف أفراد ومؤسسات، حيث طالت أعمال العنف شخصيات عامة ورجال من الجيش والشرطة، فضلًا عن المدنيين الأبرياء، إلى جانب محاولات استهداف صحفيين. مشيرًا إلى أن اغتيال النائب العام يُعد من أبرز هذه الوقائع. مؤكدًا أن القتل والتخريب والاغتيالات شكلت أدوات رئيسية لدى هذه التنظيمات لتحقيق أهدافها، في مواجهة الدولة ومؤسساتها، وكل من يقف حائلًا أمام مشروعها، وذلك عبر ميليشيات أنشأتها أو خرجت من رحمها، أو من خلال ارتباطها بتنظيمات متطرفة أخرى.

التأثير الفكري والتحولات في الوعي الديني

وفي نقطة أكثر عمقًا، لفت أديب إلى أن ممارسات جماعات الإسلام السياسي، وما ارتبط بها من خطاب ديني متشدد ومتناقض، ساهمت في خلق حالة من الارتباك والنفور لدى بعض الأفراد تجاه المفاهيم الدينية ذاتها. موضحًا أن ذلك دفع فئات منهم إلى الابتعاد عن التدين، بل واتجه بعضهم إلى الإلحاد، نتيجة تبني الجماعة أفكارًا لا تعكس صحيح الدين الإسلامي. وقال، إن بعض هؤلاء الأفراد خلطوا بين ممارسات الجماعة وحقيقة الدين، فاعتبروا أن الإخوان تمثل الإسلام ذاته، وهو ما عملت الجماعة على ترسيخه من خلال شعاراتها وخطابها ومنهجها، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ أثر فكري سلبي عميق في وعي بعض الأفراد.