رحيل جيسي جاكسون: الصندوق الأسود لـ400 عام من العبودية الأمريكية
أعلنت أسرة القس الأمريكي جيسي جاكسون وفاته اليوم الثلاثاء عن عمر ناهز الـ84 عاماً، ليغيب بذلك أحد أبرز رموز النضال ضد التمييز العنصري في الولايات المتحدة. كان جاكسون يحلم بأن يصبح أول رئيس أسود في تاريخ البلاد خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 1988، لكن هذا الحلم اصطدم بواقع عنصري أمريكي ما زال قائماً حتى اليوم.
شاهد عيان على لحظة اغتيال الأب الروحي للأمريكيين السود
ظل جاكسون قريباً من مارتن لوثر كينج حتى لحظة اغتياله في 4 أبريل 1968، حيث كان كينج يستعد للظهور أمام تجمع جماهيري. في مقابلة مع جريدة "ذا جارديان" البريطانية عام 2018، حكى جاكسون تلك اللحظة المؤلمة قائلاً: "شاهدت اغتيال كينج، وظلت تلك التجربة راسخة في ذاكرتي طوال حياتي. كلما فكرت في الأمر، أشعر وكأنني أزيل قشرة جرح غائر."
وأضاف: "إنه أمر مؤلم ومحزن أن يقتل رجل محب بالكراهية، وأن يقتل رجل مسالم بالعنف، وأن يقتل رجل مهتم بالآخرين على يد مجموعة من المهملين." هذه التجربة شكلت نقطة تحول في حياة جاكسون، الذي واصل مسيرته النضالية بروح كينج.
اتهام جميع رؤساء البيت الأبيض بالفشل في مواجهة التمييز العنصري
لم يتردد جاكسون في انتقاد النظام الأمريكي، حيث اتهم جميع الرؤساء السابقين بالفشل في القضاء على وباء تفوق العرق الأبيض ومعالجة القضايا المتعددة الأوجه التي تواجه الأمريكيين من أصول أفريقية. خلال جائحة كوفيد-19، شن حملة ضد التفاوت في الرعاية الصحية، متسائلاً: "بعد 400 عام من العبودية والفصل العنصري والتمييز، لماذا يفاجأ أحد بأن الأمريكيين من أصل أفريقي يموتون بنسبة غير متناسبة بسبب فيروس كورونا؟"
في بيان إعلان وفاته، قالت عائلة جاكسون: "كان والدنا قائدا ملهما، ليس فقط لعائلتنا، بل للمظلومين والمهمشين والمستضعفين في جميع أنحاء العالم. لقد ألهم إيمانه الراسخ بالعدالة والمساواة والمحبة الملايين، وندعوكم إلى تكريم ذكراه بمواصلة النضال من أجل القيم التي عاش من أجلها."
رحلة طويلة من نضال لا ينتهي
ولد جاكسون في 8 أكتوبر 1941 في مدينة جرينفيل بولاية كارولاينا الجنوبية، وانخرط في السياسة في سن مبكرة خلال فترة التمييز العنصري في الجنوب الأمريكي. برزت مواقفه الشجاعة عندما حاول الحصول على كتاب من مكتبة جرينفيل العامة المخصصة للبيض فقط، فقوبل طلبه بالرفض. هذه التجربة دفعته للانضمام إلى "مجموعة جرينفيل الثمانية" في احتجاج سلمي عام 1960، مما جذب اهتمام مارتن لوثر كينج الذي أصبح مرشده.
في عام 1964، التحق بكلية شيكاغو اللاهوتية وسافر إلى ألاباما للانضمام إلى حركة الحقوق المدنية بعد مشاهدته لقطات "الأحد الدامي" في مارس 1965. طوال مسيرته، ظل جاكسون صوتاً صارخاً ضد العنصرية، حيث قال لدى ترشحه للرئاسة: "مهمتنا إطعام الجائع، وكسوة العاري، وإيواء المشرد، وتعليم الأمي، وتوفير فرص عمل للعاطلين، واختيار بقاء البشرية على حساب الحرب النووية."
على الرغم من كلماته الرنانة وتاريخه الطويل في مجال الحقوق المدنية، لم ينجح جاكسون في اجتياز جسور التمييز العنصري الأمريكي في الانتخابات الرئاسية. رحل تاركاً إرثاً من النضال الذي يذكر الأمريكيين بأن الحلم بالمساواة ما زال بعيد المنال في ظل واقع عنصري مستمر.