تصعيد عسكري خطير: المنطقة بين حرب محسوبة وصراع متعدد الجبهات
تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" من جهة، و"إيران" من جهة أخرى، مرحلة تُعدّ الأكثر حساسية وخطورة منذ سنوات، بعدما تجاوز التصعيد حدود التهديدات السياسية المتبادلة إلى عمليات عسكرية مباشرة، تحمل مؤشرات واضحة على احتمال اندلاع حرب واسعة النطاق في قلب الشرق الأوسط.
ومع توالي الضربات واستهداف مواقع وقواعد ذات طبيعة استراتيجية، لم يعد المشهد مجرد تبادل رسائل ردع، بل تحوّل إلى واقع ميداني يعكس إعادة اختبار لقواعد الاشتباك وحدود القوة في الإقليم.
استنفار إقليمي وتأثيرات عالمية
ويأتي هذا التطور في ظل تصاعد لافت في حدة الخطاب السياسي والعسكري، واتساع نطاق الاستنفار في أكثر من ساحة إقليمية، ما يعكس إدراكًا متزايدًا بخطورة اللحظة الراهنة واحتمال خروجها عن السيطرة.
ولا يقتصر التصعيد الجاري على أبعاده العسكرية فحسب، بل يمتد ليطال حسابات الطاقة وأمن الممرات البحرية واستقرار الأسواق العالمية، في ظل الموقع الحيوي للمنطقة في معادلة النفط والتجارة الدولية.
ومع استهداف مصالح وقواعد أمريكية في منطقة الخليج، وارتفاع احتمالات تحرّك حلفاء طهران في بؤر توتر متعددة، مثل العراق ولبنان وسوريا، تتعقّد خريطة المواجهة بشكل متسارع، بما يفتح الباب أمام سيناريوهات متباينة، تتراوح بين احتواء محسوب للتصعيد أو انزلاق تدريجي نحو صراع متعدد الجبهات.
تحول تاريخي في قواعد الاشتباك
قال أستاذ العلوم السياسية الدكتور سعيد الزغبي، في تصريحات خاصة، إن ما جرى في 28 فبراير 2026 لا يمكن اعتباره مجرد تصعيد عسكري عابر، بل يمثل تحولًا تاريخيًا في قواعد الاشتباك بين إيران وإسرائيل، تحت عين وقرار الولايات المتحدة الأمريكية.
وأوضح أن إطلاق الصواريخ من عمق الإقليم واستهداف القواعد العسكرية يعكس انتقال المواجهة إلى مرحلة مختلفة تمامًا، لم تعد تحكمها البيانات الدبلوماسية بقدر ما يفرضها ميزان النار والردع.
وأضاف أن تصاعد الدخان فوق المواقع العسكرية يتزامن مع تصاعد القلق العالمي من احتمال انزلاق المنطقة إلى حرب قد لا تبقى محصورة بين طرفين، بل تمتد لاختبار توازنات القوى الكبرى، مؤكدًا أن الشرق الأوسط يكتب في هذه اللحظة فصلًا جديدًا من تاريخه.
الرد الإيراني: صواريخ وتكتيكات متعددة الأبعاد
وأوضح الزغبي أن الرد الإيراني المتوقع لن يكون انفجارًا مفاجئًا يعقبه توقف، بل من المرجح أن يتخذ مسارًا تصاعديًا تدريجيًا يتوسع مع كل رد إسرائيلي أو أمريكي جديد.
وأشار إلى أن طهران ستواصل استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مع احتمالات استهداف قواعد أمريكية وأهداف إسرائيلية في دول الجوار، إلى جانب توسيع نطاق الضغط داخل العمق الاستراتيجي ردًا على أي ضربات إضافية.
كما لفت إلى أن إيران قد تعتمد على أدوات غير مباشرة، من خلال تحفيز جماعات مسلحة حليفة في العراق ولبنان وسوريا، فضلًا عن تنفيذ عمليات إلكترونية تستهدف شبكات الاتصالات وأنظمة الدفاعات الجوية، معتبرًا أن الرد المقبل لن يقتصر على الصواريخ فقط، بل سيعتمد على تكتيكات متعددة الأبعاد تهدف إلى إعادة تشكيل ميزان الردع في المنطقة.
سيناريوهات توسع الحرب إقليميًا
وحول احتمالات توسع الحرب، أشار الزغبي إلى وجود سيناريوهين رئيسيين؛ الأول يتمثل في توسع محدود ومحسوب، تظل فيه المواجهة الأساسية بين إيران وإسرائيل مع تدخل أمريكي غير مباشر، دون انفجار شامل، بحيث تستمر الضربات المتبادلة بسقف ردع واضح، مع ضغط دولي لفرض تهدئة مؤقتة.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في توسع إقليمي متدحرج تخرج فيه الضربات عن السيطرة تدريجيًا، لتتحول المواجهة إلى صراع أوسع متعدد الجبهات، قد يشمل استهداف مصالح أمريكية وفتح جبهات إضافية، فضلًا عن تهديد الملاحة والطاقة في الممرات البحرية، بما في ذلك احتمالات غلق مضيق هرمز، وهو ما قد ينقل الصراع من مواجهة ثنائية إلى أزمة شرق أوسطية شاملة، تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، وربما تعيد تشكيل خريطة التوازنات في المنطقة.
واختتم أستاذ العلوم السياسية تصريحاته بالتأكيد على أن المنطقة تقف الآن بين احتمالين: إما حرب تُدار بحسابات دقيقة وتحافظ على حدودها، أو صراع يتمدد بفعل خطأ واحد في التقدير، مشددًا على أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد المسار الذي ستتخذه الأحداث.
