«فيتو» تفتح ملف انحرافات تخصيص أراضي الممشى التجاري والداون تاون في بدر
في واحدة من القضايا التي تفتح باب التساؤلات حول كيفية إدارة أراضي الدولة داخل المدن الجديدة، تكشف «فيتو» من خلال معلومات ووثائق متداولة داخل جهاز مدينة بدر عن وقائع تخصيص مساحات كبيرة من الأراضي التجارية والسياحية بأسعار تقل كثيرًا عن قيمتها السوقية، بالتزامن مع ظهور مؤشرات واضحة على مخالفات في التنفيذ والاشتراطات التعاقدية.
تفاصيل الملف: مشروعان بارزان تحت المجهر
القضية تتعلق بمشروعين بارزين داخل المدينة، الأول هو الممشى التجاري السياحي، والثاني مشروع مول الداون تاون بمنطقة البنوك، وهما مشروعان تتجاوز مبيعاتهما المعلنة مليارات الجنيهات، لكن خلف هذه الأرقام الكبيرة تظهر فجوة تسعير لافتة تطرح تساؤلات مشروعة حول آليات التخصيص والعائد الحقيقي للدولة.
ممشى بدر: من 145 إلى 1500 جنيه للمتر
تبدأ تفاصيل الملف مع مشروع الممشى، حيث حصلت شركة أسمار للتطوير العمراني على قطعة أرض تقارب مساحتها 30 ألف متر مربع بنظام حق الانتفاع، بسعر 145 جنيهًا للمتر، وهو السعر الذي اعتمدته جهة الولاية في التخصيص، إلا أن المفارقة تكمن في أن الشركة نفسها، وبحسب مصادر داخل السوق، قامت بإعادة تأجير المحال داخل المشروع بأسعار تصل إلى نحو 1500 جنيه للمتر، وهو ما يكشف عن فجوة تسعير تصل إلى نحو عشرة أضعاف، ويعيد طرح السؤال الأساسي: كيف تم تقييم هذه الأرض بهذا السعر المتدني مقارنة بالنشاط التجاري الذي يدر عوائد مضاعفة؟
ولم تتوقف الملاحظات عند حدود التسعير، إذ تشير صور التنفيذ إلى أن المشروع لم يلتزم بطبيعة الاشتراطات التي حددها جهاز المدينة، حيث كان من المفترض أن تكون المنشآت قابلة للفك والتركيب، باعتبار أن النشاط ترفيهي مؤقت، إلا أن التنفيذ الفعلي تم باستخدام الخرسانة والطوب ومواد بناء دائمة، بما يمثل مخالفة مباشرة لطبيعة التخصيص.
كما تظهر مؤشرات أخرى تتعلق بتجاوز النسبة البنائية المحددة، إلى جانب تشغيل بعض المحال قبل الاستلام الرسمي للمشروع، وهي أمور تعكس وجود خلل رقابي في متابعة التنفيذ، خاصة مع ما تردد عن وجود ملاحظات تخص اشتراطات السلامة والدفاع المدني، فضلًا عن ظهور مخلفات وردم داخل الموقع، بما يتنافى مع كونه ممشى سياحيًا يفترض أن يعكس صورة حضارية للمدينة.
الداون تاون: أرض مميزة بتوصيف “غير مرفقة”
ولا يقف الملف عند هذا الحد، بل يمتد إلى مشروع مول الداون تاون بمنطقة البنوك، حيث حصلت شركة الزعيم للتطوير العقاري على قطعة أرض تقدر بنحو 60 ألف متر مربع بسعر 1450 جنيهًا للمتر، استنادًا إلى توصيفها في تقرير التقييم بأنها أرض "غير مرفقة".
غير أن هذا التوصيف يثير تساؤلات جدية، خاصة أن الموقع يقع في واحدة من أكثر المناطق حيوية داخل المدينة، أمام كمبوند دار مصر، وبجوار مجمع البنوك، وداخل نطاق خدمي نشط، وهو ما يطرح تساؤلًا منطقيًا حول مدى دقة هذا التقييم، وما إذا كان قد أثر بشكل مباشر على تحديد سعر الأرض.
ويزيد من أهمية مراجعة هذا الملف أن الشركة نفسها تمتلك مشروعًا سكنيًا داخل المدينة، وهو كمبوند «لورا»، الذي حقق مبيعات ملحوظة، ما يجعل مسألة تخصيص أراضٍ إضافية لها تستدعي قدرًا أعلى من الشفافية لضمان تكافؤ الفرص بين المستثمرين.
القانون واضح والتنفيذ يثير الشكوك
وبحسب القانون رقم 140 لسنة 1996 المنظم للتصرف في أملاك الدولة، فإن الأصل في هذه التخصيصات هو تحقيق أفضل عائد اقتصادي للدولة، مع التزام المستثمر بكافة شروط التعاقد، ومنح الجهة الإدارية الحق في فسخ التعاقد وسحب الأرض حال ثبوت المخالفة، سواء في طبيعة البناء أو النشاط أو النسبة البنائية أو اشتراطات السلامة.
غير أن الوقائع المطروحة في هذا الملف تضع علامات استفهام حول مدى الالتزام بهذه القواعد، وحول كفاءة الرقابة على تنفيذ المشروعات داخل المدينة.
الملف أمام وزارة الإسكان
في ضوء هذه المعطيات، يصبح الملف مطروحًا أمام وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، خاصة أن هذه التخصيصات تمت في فترات سابقة، بما يستدعي مراجعة شاملة لكيفية تسعير الأراضي، ومدى الالتزام بشروط التخصيص، وحجم المخالفات إن وجدت.
فالأراضي التي يتم التصرف فيها هي في النهاية أموال عامة، والقاعدة الحاكمة لإدارتها يجب أن تقوم على الشفافية والمساءلة، وليس على فجوات تسعير تثير الجدل أو مخالفات تطرح علامات استفهام.



