الدكتور محمد مهنا يوضح حقيقة الدعاء بحق فاطمة وآل البيت
أكد الدكتور محمد مهنا، الأستاذ البارز بجامعة الأزهر الشريف، أن الجدل المثار عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول إنكار دعاء خطيب العيد الذي تضمن عبارة "اللهم بحق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، وبالسر الكامن فيها، ألّا يجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقه"، يفتقر تمامًا إلى الفهم الدقيق لتراث الأمة الإسلامية الغني. وأوضح الدكتور مهنا أن هذا النقاش يثير تساؤلات عميقة حول جوهر ما يتم إنكاره: هل هو محبة أهل البيت الطاهرين، أم مسألة التوسل المشروعة، أم حب مصر والوطن، أم إنكار لما استقر عليه عمل الصحابة الكرام والتابعين والعلماء الأجلاء عبر القرون؟
أدلة شرعية تؤكد مكانة أهل البيت
استعرض الدكتور محمد مهنا، خلال حديثه عبر قناة الناس، مجموعة من الأدلة الشرعية القاطعة التي تؤكد المكانة الرفيعة لأهل البيت في الإسلام. واستشهد بقول سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "ارقبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته"، وبقوله أيضًا إن قرابة رسول الله أحب إليه من قرابته الشخصية. كما أشار إلى الموقف العملي لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى القول المأثور لسيدنا علي رضي الله عنه: "لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق"، بالإضافة إلى وصايا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما المؤكدة بحفظ حق آل بيت النبي الكريم.
النصوص النبوية وكتب التفسير
أوضح الدكتور مهنا أن السنة النبوية الشريفة زاخرة بالنصوص الواضحة التي تدعو إلى محبة أهل البيت وتوقيرهم. ومن هذه النصوص قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي". كما تطرق إلى ما ورد في كتب التفسير المعتمدة حول قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى}، مؤكدًا أن جمهور العلماء العظام أجمعوا على أن المقصود بهذه الآية الكريمة هم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مواقف أئمة المذاهب الأربعة
وأضاف الدكتور محمد مهنا أن أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم من كبار علماء الأمة أكدوا هذا المعنى الجليل:
- الإمام أبو حنيفة النعمان عدَّ حب آل البيت من أفضل القربات إلى الله تعالى.
- الإمام مالك بن أنس شدد على ضرورة توقيرهم وعدم الخوض في شأنهم إلا بخير وبركة.
- الإمام الشافعي عبر عن هذا الحب شعرًا بقوله: "يا آل بيت رسول الله حبكمُ فرض من الله في القرآنِ أنزلَهُ".
- بينما صرّح الإمام أحمد بن حنبل بحبه الشديد والعميق لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
حقيقة مسألة التوسل والخلاف الفقهي
وفيما يتعلق بمسألة التوسل التي أثيرت حولها التساؤلات، أوضح الدكتور مهنا أن الأمة الإسلامية متفقة على أصل مشروعية التوسل، وأن الخلاف الحاصل إنما هو في الألفاظ المستخدمة والكيفيات المتبعة فقط. وأشار إلى أن عددًا من كبار العلماء كالحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام الشوكاني والإمام الألوسي قالوا بجواز هذا النوع من الدعاء، في حين مال شيخ الإسلام ابن تيمية إلى عدم الأخذ به في بعض الصيغ. وأكد الدكتور مهنا أن القاعدة العلمية المستقرة تقول: "لا إنكار في مسائل الخلاف"، خاصة عندما يكون الدعاء متوجهًا إلى الله وحده دون شريك.
محبة أهل البيت أصل من أصول الإيمان
وشدد الدكتور محمد مهنا على أن محبة أهل البيت ليست شعارًا طائفيًا أو مذهبيًا ضيقًا، بل هي أصل من أصول الإيمان الراسخة عند أهل السنة والجماعة، وهي متصلة اتصالاً وثيقًا بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. وأكد أن توقيرهم وتعظيمهم ثابت بالكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة وإجماع علماء الأمة عبر العصور.
تحذير من إثارة الفتن والخلافات
وانتقد الدكتور محمد مهنا بشدة حالة الجدل العقيم التي تُثار حول مثل هذه القضايا الشرعية الثابتة، معتبرًا أنها تفتح باب الفتنة وتُشتت جهود الأمة في وقت أحوج ما تكون فيه إلى الوحدة والتضامن. وذلك في ظل ما يحيط بالعالم العربي والإسلامي من أزمات معقدة وصراعات دامية، مؤكدًا أن الانشغال بالخلافات الفرعية والهامشية يحقق فقط أهداف الخصوم والأعداء في تمزيق الصف الداخلي وإثارة النزاعات المذهبية البغيضة.



