الدكتور أحمد درويش: نموذج فريد يجسد تحول القيم إلى إنجازات تنموية ملموسة
في عالم يهتم غالبًا بالمظاهر والمناصب، تبرز شخصيات استثنائية تُقاس بإرثها القيمي وتأثيرها العميق في الوعي المجتمعي. يأتي الدكتور أحمد إبراهيم درويش، وزير التنمية الإدارية الأسبق ورئيس المنطقة الاقتصادية لقناة السويس السابق، في مقدمة هذه النماذج، حيث قدم تجربة فريدة جمعت بين الكفاءة المهنية العالية والنزاهة الأخلاقية الراسخة، وبين الفكر العميق والرؤية المستقبلية الواضحة.
بدايات أكاديمية متميزة وتأسيس قيمي راسخ
تشكلت ملامح شخصية الدكتور درويش منذ مراحله التعليمية الأولى، حيث حصل على بكالوريوس هندسة الاتصالات والإلكترونيات من جامعة القاهرة عام 1981، ثم نال درجة الماجستير في هندسة الحاسبات عام 1984. توج مسيرته العلمية بالحصول على الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1988. لكن ما يميز هذه الرحلة لم يكن التفوق الأكاديمي فقط، بل ارتباطها المبكر بمنظومة قيم متينة، حيث استلهم من والده، رئيس محكمة النقض ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، مفهوم النزاهة كسلوك يومي يُمارس في أدق التفاصيل، وليس مجرد شعار يُرفع.
مواقف إنسانية تعكس الالتزام الأخلاقي في أسمى صوره
تجلت قيم الدكتور درويش في مواقف عملية عميقة، كان أبرزها تحمله نفقات أداء فريضة الحج رغم كونه رئيسًا للبعثة الرسمية، في رسالة واضحة تعكس احترام المال العام والالتزام الأخلاقي. كما يحتفظ بذكريات خاصة مع والدته، التي مثلت له مصدر الحنان والتسامح، حيث يرى في فقدانها عام 2015 لحظة فارقة جعلته يشعر بثقل الفرد وكأنه يتم مع الشيخوخة.
إنجازات تنموية غيرت وجه الخدمات الحكومية في مصر
لم يكن دخول الدكتور درويش إلى العمل العام هدفًا بحد ذاته، بل جاء امتدادًا طبيعيًا لعقل يؤمن بالتطوير والتخطيط الاستراتيجي. فكان من أوائل من أدخلوا مفهوم الحكومة الإلكترونية إلى مصر، واضعًا بصمة واضحة في تحديث الجهاز الإداري للدولة. خلال توليه المسؤولية، تبنى فلسفة "فريق الأحلام"، مؤمنًا بأن القيادة الحقيقية تقوم على بناء فريق قادر على الإنجاز الجماعي.
أثمرت هذه الرؤية عن قفزة نوعية في ترتيب مصر عالميًا في مجال الخدمات الإلكترونية، حيث تقدمت من المركز 162 إلى المركز 23، متفوقة في ذلك الوقت على دول كبرى. هذا الإنجاز يعكس قدرة العقل المصري على المنافسة العالمية حين تتوفر له بيئة الإدارة الرشيدة والشفافية.
رئاسة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس: تأسيس قاعدة متينة للتطور المستقبلي
عندما تولى رئاسة المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في الفترة من 2015 إلى 2017، لم ينشغل بالإنجازات السريعة أو النتائج اللحظية، بل ركز على بناء أساس تشريعي وإداري متين، واضعًا حجر الزاوية لمشروع اقتصادي واعد. خلال فترة قصيرة، نجح في توقيع تعاقدات على نحو 27 مليون متر مربع، مقارنة بـ 2 مليون متر فقط في سنوات سابقة، وهو ما يعكس رؤية استراتيجية قائمة على التخطيط طويل الأمد وليس المكاسب العاجلة.
رؤية فكرية متوازنة تدعو إلى اقتصاد إنتاجي وإدارة حديثة
على المستوى الفكري، ظل الدكتور درويش صوتًا متزنًا يدعو إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج والتصدير، وإلى إدارة حديثة تعتمد على المعلومات والشفافية. كما حرص على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحق المجتمع في المعرفة، مؤكدًا أن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان الواعي.
خاتمة: إرث قيمي وإنجازات مستدامة
تبقى تجربة الدكتور أحمد درويش شاهدًا حيًا على أن المناصب لا تصنع الإنسان، بل تكشف معدنه الحقيقي. فقد ظل كما هو، لم تغيره المواقع، بل زادته تواضعًا ونضجًا، مؤمنًا بأن ما تحقق هو توفيق من الله قبل أي شيء. واصل عطائه بروح وطنية صادقة حتى بعد مغادرته المناصب الرسمية، مؤكدًا أن العقول الواعية تظل هي الثروة الحقيقية لأي دولة تسعى إلى مستقبل أفضل.



