طفولة قاسية وبدايات النبوغ الكوميدي
في ذكرى رحيله العشرين، تستعيد سيرة الفنان عبدالمنعم مدبولي جانبًا إنسانيًا استثنائيًا سبق رحلته إلى قمة الكوميديا المصرية. شكّلت طفولته القاسية وتجارب العمل المبكرة ملامح شخصيته الفنية، فمن اليتم والمعاناة إلى الوقوف على خشبة المسرح، تحولت تفاصيل حياته اليومية إلى رصيد إنساني انعكس على أدائه الكوميدي والتراجيدي، ليصبح أحد أبرز رموز الفن المصري وأكثرهم تأثيرًا.
تربى عبدالمنعم مدبولي يتيما عند جدته لوالده وجدته لوالدته، حيث توفى والده وهو في الشهر السادس من عمره، ما جعله يعيش طفولة صعبة، ليصف نفسه بأنه «رجل ولد في فمته ملعقة صفيح مصدية». وُلد مدبولي في حي باب الشعرية بالقاهرة عام 1921، وعاش طفولة قاسية، بعدما وجدت والدته نفسها مسؤولة عن رعاية وتربية 3 أطفال، وبالتالي لم تكن لأسرته عائل.
الطفولة.. سر النبوغ الكوميدي والتراجيدي
شهدت الطفولة بداية ميله إلى الكوميديا، وكشف عبدالمنعم مدبولي في لقاء تلفزيوني أن خفة الظل وسرعة التعليق كانتا استعدادًا طبيعيًا لديه، حتى إن زملاءه في الصف الأول الابتدائي كانوا يتنافسون على الجلوس إلى جواره لأنه كان يضحكهم بتعليقاته السريعة على المواقف المختلفة، لتكون تلك الفترة إرهاصات وبدايات دخوله عالم الكوميديا.
ورغم موهبته الكوميدية التي ظهرت منذ نعومة أظافره، فإن ذلك لم يخفِ جانبا مميزا آخر لديه، وهو تقديم الأدوار التراجيدية، حيث كان يستدعي ذكرياته المؤلمة عند تقديم الأدوار التراجيدية، مؤكدًا خلال تصريحات تلفزيونية أن الممثل يحتاج إلى «مخزن الذاكرة»، يستحضر منه المواقف الحزينة التي عاشها، حتى يتمكن من الاندماج في الشخصية والتعبير الصادق عن مشاعرها، بما يجعله يتأثر بالموقف وتنساب دموعه بصورة طبيعية.
مدرسة الهلال.. موقف طريف
كانت والدته حريصة منذ ولادته، باعتباره أصغر أفراد الأسرة، على أن يحظى بتعليم مميز يختلف عن أشقائه، وكانت تصر على إلحاقه بمدرسة أميرية، قبل أن يتقدم لاحقًا إلى مدرسة الهلال، حيث خضع لاختبار تحديد المستوى بحضور جدته. وبخفة ظله المعهودة، روى عبدالمنعم مدبولي موقفًا طريفًا من المقابلة، إذ سأله ناظر المدرسة عن عدد أرجل الدجاجة، فأجاب في البداية بأنها أربعة، ثم عدّل إجابته إلى ثمانية، مبررًا ذلك بأن لكل رجل أربع أرجل أخرى، في واقعة ظل يتذكرها بوصفها من المواقف الفكاهية المبكرة في حياته.
عمل شاق منذ الطفولة
كان الفنان عبدالمنعم مدبولي حريصًا منذ المرحلة الابتدائية على العمل خلال الإجازة الصيفية إلى جانب الدراسة، موضحًا أن والدته لم تكن تحب أن يقضي الإجازة في اللعب بالشارع طوال اليوم، وكانت تفضل أن يلتحق بمدرسة صيفية أو يعمل في أي مهنة. وكان العمل يوفر له المال لتلبية احتياجاته، كما يمكنه من الذهاب إلى السينما والمسرح، إذ كان يحرص على مشاهدة العروض بانتظام، خاصة يومي الخميس والجمعة، مشيرًا إلى أنه عمل في مهن عديدة خلال تلك الفترة.
صبي ترزي
عمل مدبولي صبيا في أكثر من مهنة مثل الترزي والنجار والسباك والحلاق، كما عمل أيضًا في محل أحذية. وحكى واقعة طريفة عندما كان يعمل لدى ترزي حيث كان الأخير متزوجًا من سيدتين، كل منهما تقيم في مكان منفصل عن الأخرى: «كان يروح يأكل يفطر هنا مثلاً أو يتغدى هنا أو يتعشى عند واحدة تالتة الله أعلم، فمكنش بيجي في المحل أبداً».
وكان مدبولي يرغب في التسلية، ووجد قطعة قماش على كرسي فحصل عليها، وشرع في تفصيل فستان عروسة مثلما يفعل الأطفال: «قعدت قصيتها وجبت إبرة وخيطتها وطلعت فستان عروسة، وفي الآخر خفت من إن الترزي يشوف الفستان فخبيته على أمل إن أنا أخده وأنا مروح يعني عشان أوريهم في البيت إني بقيت ترزي خلاص يعني». وفجأة، وصل الترزي وحاول العثور على قطعة القماش، وعندما وجدها سأله عن سبب تفصيل الفستان، فأخبره مدبولي بأنه كان يتسلى، فما كان من الترزي إلا أن صفعه على وجهه، وكان ذلك في العاشرة من عمره، فبكى لأنه لم يكن معتادًا على الضرب.
إلا أن إمبراطور الكوميديا لم يسكت عن حقه: «بعدين فاتت أيام والترزي دايماً كان يبل القماش اللي حيتعمل بدلة صيفي علشان ما يكشش تاني لما تتغسل البدلة، وكنا نبلها في جردل، هو يمسك ناحية وأنا أمسك ناحية ونقعد نهزها كدة وبعدين نعصرها، فإحنا بنهزها كدة قلت أنتقم منه ورحت سايب القماش». وعندما ترك مدبولي القماش، وقع الترزي على الأرض، فما كان منه إلا أن هرب جريًا من المحل، ما جعله يشعر بالراحة لأنه ثأر لنفسه، وعن هذه الواقعة يقول: «أنا بقى دلوقتي ارتحت عشان القلم اللي ضربه ليّ، وضاعت الشغلانة على كدة».
صبي حلاق
كما عمل صبيًا لدى أحد الحلاقين، وكانت مهمته تقتصر على الوقوف بجوار الزبائن وتحريك المروحة اليدوية لتلطيف الجو أثناء الحلاقة، موضحًا أن تلك كانت طبيعة العمل في ذلك الوقت قبل انتشار المراوح الكهربائية وأجهزة التكييف، وأنها كانت كل ما تعلمه في هذه المهنة. وكان عبدالمنعم مدبولي يتقاضى أجرًا بسيطًا بلغ قرشًا صاغًا، ثم ارتفع إلى 3 تعريفة في اليوم، مشيرًا إلى أن هذا المبلغ كان جيدًا في ذلك الوقت، ولم يستمر في هذه المهنة أكثر من أسبوع.
أكبر أجر
ومع تقدمه في العمر تنقل بين أكثر من عمل، مشيرًا إلى أنه كان يتقاضى في إحدى المراحل خمسة تعاريف، أي ما يعادل قرشين ونصف القرش، ثم عمل في استوديو أستاذه بالمدرسة، حيث كان يشارك في صبّ التماثيل التي يصنعها، مقابل ثلاثة قروش يوميًا. وأضاف أن هذا الأجر كان يمثل قيمة كبيرة في ذلك الوقت، إذ كان ما يتقاضاه بنهاية الأسبوع، والذي يبلغ 18 قرشًا، يكفي لشراء بدلة وبالطو.
ورغم كل ما مرّ به في طفولته من تجارب متعددة، تمثلت في اليتم والعمل في أكثر من مهنة والإقامة لدى جدتيه لأبيه وأمه، إلا أن مدبولي أكد أن تنقله بين مهن مختلفة كان بمثابة تدريب مهم أفاده كثيرًا في حياته، إذ أتاح له الاحتكاك بفئات متنوعة من الناس والتعرف إلى طبيعة كل مهنة ومفرداتها، وهو ما انعكس لاحقًا على مسيرته الفنية في التمثيل والإخراج والكتابة.



