أبناء الشهداء يحملون آمال آبائهم لبناء مصر القوية
أبناء الشهداء يواصلون مسيرة آبائهم لبناء مصر

فى بيوت الشهداء، لا تُغلق الحكايات عند لحظة الرحيل، ولا تصبح صور الأبطال مجرد ذكريات معلقة على الجدران؛ فهناك يتحول الغياب إلى حضور لا ينطفئ، وتصبح كلمات الأب الأخيرة وصية، ويتحول الحلم الذى لم يمهله القدر لتحقيقه إلى طريق يسير عليه الأبناء، الذين اختاروا أن يكونوا امتداداً طبيعياً لهم فى مسيرة بناء الجمهورية الجديدة، والحفاظ على أمن الوطن واستقراره.

أبناء الشهداء: امتداد لمسيرة الآباء

يحملون أسماء آبائهم، وملامحهم، وأحلامهم، ثم يمضون فى الطريق نفسه؛ بعضهم يحمل السلاح ليحمى مصر، وبعضهم يحمل أدوات البناء ليعمرها، وآخر يرتدى المعطف الأبيض لينقذ أبناءها من شرور الأمراض المختلفة؛ فتختلف الطرق، لكن الراية واحدة، والهدف واحد، وهو أن تبقى مصر آمنة وقوية، وأن يصبح الغد الذى استشهد من أجله الآباء أكثر جمالاً، هؤلاء هم أبناء الشهداء؛ ضمير ثورة الثلاثين من يونيو الحى، والامتداد الحقيقى لمعركة وطن واجه الفوضى والإرهاب، وانتصر بإرادة شعبه وبدماء أبنائه.

عمر الدرديري: مهندس يعمر الأرض التي ضحى والده من أجلها

ففى شمال سيناء، وعلى أرض شهدت واحدة من أشرس المواجهات مع قوى الإرهاب، سطر العقيد أركان حرب الشهيد أحمد الدرديرى، بطل معركة «كمين الرفاعى» الشهيرة، صفحة من أنصع صفحات البطولة؛ فقاتل حتى اللحظة الأخيرة، مؤمناً بأن أمن المصريين يستحق التضحية، وأن الوطن الذى يحميه اليوم سيبنيه أبناؤه غداً. وبعد سنوات، اختار نجله عمر أن يدخل كلية الهندسة؛ فلم يكن اختياره مجرد قرار دراسى، بل كان استكمالاً لحلم الأب، ولكن بصورة أخرى؛ فالأب حمل السلاح ليحمى الأرض، والابن اختار أن يحمل أدوات البناء ليعمرها. ويقول المهندس عمر بفخر: «دخلت كلية هندسة علشان أكون من الأيادى اللى بتعمر وبتبنى مصر دلوقتى». بالنسبة إلى «عمر»، لم يغب والده، فالشهيد يظل حياً ما دام حلمه قائماً، وما دامت الأرض التى دافع عنها تُبنى وتتقدم، يقول: «الشهيد حى، وحلمه دايماً إننا نعيش فى بلد بتتعمر، وشعبها يعيش فى أمن وأمان؛ فمصر اشتغلت على المستقبل وفكرت فى بكرة، وهدفها تكون من الدول الرائدة، وأنا سعيد بأننى هكون جزء من البناء ده». ثم يلخص رسالته فى كلمات تحمل كل معانى الاعتزاز: «فخور ببابا، وفخور إنى بكمل مسيرته، علشان راية مصر تفضل مرفوعة، ونحقق لم مصر حاجات كتير». هنا لا تعنى مواصلة المسيرة ارتداء الزى العسكرى فقط، بل أن يؤدى كل ابن دوره فى مكانه؛ جندياً يحمى، ومهندساً يبنى، وطبيباً يعالج، وعالماً يبتكر.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

أحمد طلعت: طبيب في الجيش الأبيض يواجه كورونا

وفى بيت العقيد أركان حرب، الشهيد مدحت طلعت، أحد أبطال عملية «حق الشهيد»، لم يكن اسم الأب مجرد ذكرى تحتفظ بها الأسرة؛ ذات يوم، وقف نجله أحمد أمام مدرسة تحمل اسم والده، ورأى الأطفال يدخلون فصولها، ويحملون كتبهم، ويستعدون لبناء مستقبلهم؛ فأدرك أن تضحية والده لم تكن حدثاً انتهى، بل حياة جديدة تبدأ كل صباح مع دخول جيل جديد إلى المدرسة. يقول «أحمد»: «لما صادفت اسم والدى على مدرسة بتخرج أجيال، عرفت قيمة التضحية اللى قدمها ضد الإرهاب، وحسيت إن ده تقدير من الدولة لبطولته». اختار «أحمد» أن يلتحق بكلية الطب، ليخوض معركته الخاصة من أجل الإنسان؛ فقد رأى بعينه كيف تحول الأطباء خلال جائحة كورونا إلى خط دفاع أول، وكيف واجه «الجيش الأبيض» خطراً يهدد العالم كله، فوجد فى «الطب» صورة أخرى من صور البطولة. يقول «أحمد»: «زى ما الدولة كرمت الجيش الأبيض، اللى كانوا خط الدفاع الأول لما فيروس كورونا هاجم العالم، قررت أحقق حلم والدى، وأبقى طبيب وأحمى أهل مصر من كل شر فى مجالى»، فكأن وصية الشهيد انتقلت من ميدان القتال إلى غرفة العمليات؛ ففى الحالتين هناك إنسان يحتاج إلى من يحميه، ووطن يحتاج إلى أبناء مستعدين للعطاء.

حمزة منسى: على بعد خطوة من تحقيق حلم الكلية الحربية

وحين يُذكر اسم العقيد أركان حرب الشهيد أحمد منسى، يتوقف المصريون أمام سيرة رجل أصبح رمزاً للشجاعة والإيمان والتضحية، لكن خلف صورة «القائد» الذى ثبت فى موقعه حتى اللحظة الأخيرة، يقف ابن يحمل وعداً قطعه لوالده. فلم يكن وعد حمزة أحمد منسى مجرد كلمات قالها طفل متأثراً ببطولة أبيه، بل أصبح هدفاً يكبر معه يوماً بعد يوم، يقول نجل البطل الشهيد: «وعدت بابا إنى ألتحق بالكلية الحربية، علشان أكمل اللى ابتداه، وعلشان مصر تكون بخير وسلام». يرى «حمزة» أن المسافة بينه وبين الحلم لم تعد بعيدة، وأن خطوة واحدة فقط تفصله عن الانضمام إلى المؤسسة التى صنعت من والده بطلاً خالداً فى ذاكرة الوطن. يضيف: «فاضل على الحلم خطوة، وألتحق بالكلية الحربية، وأكون ضمن مصنع الرجال والأبطال، وأكون فى الصفوف الأولى علشان أدافع عن الناس، ويعيشوا فى أمن وخير وسلام»؛ فقد يغيب الأب، لكن الوعد يبقى، وحين يختار الابن بإرادته أن يسير على خطى والده، يصبح دم الشهيد بذرة تنبت بطلاً جديداً يحمل الراية ويحمى الوطن.

أبناء الشهداء: مطمئنون بمستقبل مصر

وسط قصص البطولة الكبيرة، تأتى كلمات الأطفال بسيطة وعفوية، لكنها تصيب القلب مباشرة؛ فالطفل عمر أحمد الشبراوى، نجل الشهيد الرائد أحمد الشبراوى، لا يزال يتذكر العبارة التى كان والده يرددها له: «بكرة هيكون أحلى». ربما لم يكن «عمر» يدرك وقتها كم تحمل هذه الكلمات من أمل، لكنه أدرك لاحقاً أن والده كان يقاتل ويضحى حتى يأتى ذلك الغد، أما شقيقته «تالين» فتقول: «إحنا بنكبر ونعيش ونتعلم لبكرة وإحنا مطمنين بفضل تضحيات الشهداء، وهنكمل حلمهم». وتقول حبيبة أحمد شعبان، كريمة العقيد أركان حرب الشهيد أحمد شعبان: «علشان بكرة يبقى أحلى، لازم نحب مصر ونحب بعض»، مؤكدة ضرورة عمل أى مصرى كل فى موقعه بإخلاص وتفانٍ لصالح الوطن.