الجغرافيا السياسية والاجتماعية لليمن كحاضنة للإخوان
مرت الجغرافيا اليمنية خلال العقود الماضية بتباينات سياسية واجتماعية حادة، أعادت في كل مرة تشكيل توازنات التحالفات، لينتقل الشريك في الحرب والسياسة والتأثيرات الاجتماعية إلى خصم تُشن ضده الحروب وحملات الإقصاء. وفي هذا السياق، قاد الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح أوركسترا سياسية تناغمت فيها تحالفاته مع مختلف التيارات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مما وفر البيئة الحاضنة لحضور أيديولوجيات الإخوان المسلمين في اليمن.
تعاملت الجماعة ببراجماتية "تاجر الدين" في الاستغلال والتأثير وتعزيز الحضور السياسي والمجتمعي. وتمكن هذا الفكر من التغلغل في المجتمع كلما استعان به صالح لترسيخ حكمه، فأصبح حضوره جزءاً من معادلة السلطة في إطار الصفقات السياسية والتمكين داخل مفاصل الدولة والمجتمع. واستغل التنظيم هذه المساحة للتوسع في تفاصيل المجتمع المحلي، وهو ما كان يصعب تحقيقه لولا الهوامش التي وفرها له النظام السابق والأزمات التي أسهم في إنتاجها.
الخصوصيات المحلية وتكييف الخطاب الإخواني
الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والدينية تفرض في كل دولة إطاراً عاماً تتماهى داخله استراتيجيات تنظيم الإخوان المسلمين وتتلوَّن. فالجماعة لم تكن في أي مرحلة تنظيماً يعمل وفق نموذج جامد، بل سعت إلى تكييف أدواتها وخطابها بما يتناسب مع طبيعة البيئة التي تنشط فيها. وفي المجتمعات المحافظة أو التقليدية، حيث يصعب التأثير عبر النظريات السياسية المجردة، يصبح المدخل الديني والاجتماعي أكثر فاعلية في بناء النفوذ وترسيخ الحضور الشعبي، وهو ما عملت عليه الجماعة في اليمن بتوظيف المرجعية الدينية وعلاقاتها بالبنى الاجتماعية التقليدية، قبلية كانت أم محافظة.
وتبرز اليمن بوصفها واحدة من أكثر الحالات تعبيراً عن هذه المعادلة؛ فحزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي يمثل الامتداد السياسي والفكري للإخوان المسلمين في اليمن، لم يتشكل فقط بوصفه حزباً سياسياً ذا مرجعية إسلامية، بل كجزء من شبكة اجتماعية وقبلية واسعة ارتبطت ببنية المجتمع اليمني التقليدية. ولهذا السبب، يصعب أحياناً الفصل بين ما هو نفوذ حزبي أو تنظيمي وما هو امتداد طبيعي للثقافة المحافظة السائدة، إذ إن كثيراً من القيم والمواقف التي تُنسب إلى تأثير "الإصلاح" تتقاطع مع موروث اجتماعي وديني سابق لظهور الحزب نفسه.
التحولات الإقليمية ودور الحرب الباردة وأفغانستان
غير أن صعود الإخوان في اليمن لم يكن مرتبطاً فقط بالبنية الاجتماعية، بل أيضاً بتحولات سياسية وإقليمية لعبت دوراً محورياً في توسيع نفوذهم. فمنذ ثمانينات القرن الماضي، وفي ظل أجواء الحرب الباردة، شهد اليمن حالة من التماهي مع التوجهات الإقليمية والدولية التي دعمت التيارات الإسلامية في مواجهة المد اليساري والشيوعي. وقد تزامن ذلك مع الحرب في أفغانستان، التي تحولت خلالها اليمن إلى محطة مركزية في إعادة تشكيل الحركات الإسلامية في المنطقة، وكذلك مع الصراع السياسي والفكري الذي سبق وحدة مايو 1990 بين شمال اليمن وجنوبه، الذي كان يتبنى آنذاك توجهاً اشتراكياً مدعوماً من المعسكر الشرقي.
ويؤكد ذلك أن تحالف صالح مع تيارات الإسلام السياسي لم يكن مجرد تحالف ظرفي، بل تحول إلى أحد أعمدة النظام السياسي طوال عقود. ويرى كثير من المراقبين أن قدرة صالح على البقاء في السلطة لأكثر من ثلاثة عقود ارتبطت، جزئياً، بقدرته على إدارة شبكة واسعة من التحالفات، كان حزب الإصلاح أحد أهم أطرافها، إذ وفر الحزب غطاءً اجتماعياً وسياسياً مهماً للنظام، فيما أتاح له النظام مساحة واسعة للحضور داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
الركائز الثلاث لنفوذ الإخوان في اليمن
يكشف هذا التمهيد عن حجم الحضور الذي استطاع التنظيم تحقيقه داخل البنية السياسية والاجتماعية والعسكرية للدولة اليمنية، مستنداً إلى ثلاث ركائز أساسية: النفوذ القبلي المتمثل في دور القبيلة ومشايخها، والنفوذ الديني الذي وفرته المرجعيات الدينية، والنفوذ العسكري الناتج عن تغلغل بعض قياداته داخل المؤسسة العسكرية. وقد أتاح هذا التداخل للتنظيم بناء شبكة واسعة من التأثير والولاءات، امتدت إلى المستويين القبلي والعسكري - الأمني، بحيث تماهى هذا النفوذ أحياناً مع توجهات الدولة ومؤسساتها، بينما اتخذ في أحيان أخرى مساراً مستقلاً وظَّف إمكاناته السياسية والأمنية والعسكرية لخدمة أهدافه الخاصة، وهو ما تجلى بوضوح في التطورات التي شهدتها اليمن بعد عام 2011.
تقاطعات مع التحولات الإقليمية وتنوع التيارات
وعلى الرغم من المحاولات المتكررة التي بذلها المنتمون إلى هذا التنظيم أو المتأثرون بأفكاره في اليمن لفصل حضوره المحلي عن السياقات العامة للتحولات التي شهدتها المنطقة العربية، فإن التقاطعات بينه وبين تلك التحولات ظلت واضحة في مراحل عديدة، لا سيما مع تنامي نفوذ الحركات والتنظيمات ذات الخلفيات الأيديولوجية المتشابهة في عدد من الدول العربية وما ارتبط بها من فوضى ومشروعات متطرفة. وقد أسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل خريطة الصراع اليمني، لتبرز تيارات دينية وسياسية متعددة، بعضها متطرف، من بينها التيار المرتبط بالمرجعية الزيدية ذات التأثير الاثني عشري والمدعوم من إيران، والتيار السلفي المدعوم من قوى إقليمية، إضافة إلى التيارات الإسلامية ذات الخلفية الإخوانية والتنظيمات الجهادية المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش.
ونتيجة لذلك، تحولت اليمن إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع وأيديولوجيات متباينة تتنافس عبر أدوات سياسية واجتماعية وعسكرية، في مشهد معقد تتداخل فيه اعتبارات الهوية والسلطة والنفوذ الإقليمي.
الإصلاح شريكاً في الشرعية وتوازنات الصراع
وهنا تجدر الإشارة إلى أن العديد من القيادات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين وحزب الإصلاح في اليمن لا تزال تؤدي أدواراً في المشهد السياسي اليمني، ويتجلى ذلك في حضورها شريكاً داخل مؤسسات الحكومة الشرعية، فضلاً عن امتلاكها امتدادات اجتماعية وقبلية وعسكرية مؤثرة على الأرض. كما تسعى هذه القوى إلى تقديم نفسها بوصفها فاعلاً سياسياً قادراً على الإسهام في إدارة الأزمة اليمنية ضمن أطر تتوافق مع متطلبات الشرعية اليمنية وتوجهات الفاعلين الإقليميين والدوليين.
وفي ظل التحولات التي شهدتها بعض التجارب المرتبطة بالإسلام السياسي في دول عربية مثل تونس والكويت والأردن، وما رافقها من حظر أو تقييد لأنشطتها، برزت مقاربات تدعو إلى إعادة النظر في طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه هذا التنظيم في الحالة اليمنية، باعتباره أحد المكونات السياسية والاجتماعية القادرة على الإسهام في تحقيق قدر من التوازن داخل المشهد اليمني المعقد. وهذه الفكرة تحتاج إلى مقاربة أوسع لتفكيك المشهد اليمني، إذ يزداد حضور هذا الطرح مع استمرار النفوذ الواسع لجماعة الحوثي المدعومة من إيران وسيطرتها على جزء كبير من القدرات العسكرية ومؤسسات الدولة.
الاستفادة من سردية مواجهة الحوثي ودعم إقليمي
وفي المقابل، يستفيد تنظيم الإخوان من هذه السردية لتعزيز حضوره وتأثيره بدعم إقليمي وبالاستناد إلى أيديولوجيته الراسخة، خصوصاً عند الحديث عن إمكانية توظيف نفوذه ضمن ترتيبات سياسية وأمنية تهدف إلى الحد من نفوذ الجماعات المسلحة الأخرى. إذ لا يُنظر إليه بالضرورة بوصفه شريكاً، بل كقوة يمكن الاستفادة منها في مواجهة التهديد الأكبر المتمثل في الحوثيين، وهو ما يدفع بعض القوى الإقليمية والدولية إلى اعتباره جزءاً من توازنات الصراع في اليمن وتبنِّي مقاربة مختلفة عن تلك التي طُبقت في دول عربية أخرى.
سؤال بقاء الإصلاح خارج موجات الحظر
وفي المحصلة، يبرز سؤال مهم يتسق مع اتجاهات وسرديات الأزمات في المنطقة، ويتعلق بسبب بقاء التجمع اليمني للإصلاح خارج موجات الحظر والتصنيف التي طالت جماعة الإخوان المسلمين في عدد من الدول العربية والإقليمية خلال السنوات الأخيرة. فهذه الحالة لا ترتبط فقط بخصوصية التنظيم في اليمن مقارنة ببقية فروع الجماعة، وإنما أيضاً بحسابات سياسية وإقليمية فرضتها طبيعة الصراع اليمني وتداعياته الإقليمية.



