صناعة الكذب ومصانع الوعي الزائف: قصة إيتيان كلاين وسقوط المزورين
صناعة الكذب ومصانع الوعي الزائف: سقوط إيتيان كلاين

يقولون إن الجريمة الكاملة نادرة، وأقول لكم، من واقع خبرة طويلة في تأمل أحوال بني الإنسان، إن الجريمة الكاملة مستحيلة. لا أعني ذلك الصنف البائس من الجرائم، مثل لص بقالة تلتقطه كاميرا مراقبة، فينفضح أمره وتغلق الشرطة ملفه بعد أن تكتشف أنها اصطادت غبيًا من الدرجة الأولى. تلك وقائع لا تستحق منا وقتًا.

منطقة النخبة والياقات البيضاء

ما أقصده يقع في منطقة أخرى. منطقة النخبة، أصحاب الياقات البيضاء والألسنة الفضية والابتسامات الجاهزة التي لا تفارق وجوههم حتى وهم يسرقون جهود غيرهم. إنها الجريمة التي يتوهم صاحبها أنه أفلت من قبضة القانون، والأخطر، أنه أفلت من قبضة الحقيقة ذاتها. والحقيقة، كما خبرتها، سيدة عجوز تجلس في ركن قصي، تدون ملاحظاتها في صمت، وتنتظر اللحظة المناسبة لتقول بصوت لا يعلو على همسة، لكنه يهز الكيان: "لحظة واحدة يا سادة، فالقصة لم تنته بعد".

أيقونة الشاشة التي أكلته

ولعل أبلغ مثال معاصر هو قصة الفيزيائي والفيلسوف الفرنسي إيتيان كلاين. رجل في الخامسة والستين، مذيع لامع، وجه مألوف لدى ملايين الفرنسيين الذين اعتادوا رؤيته على الشاشة يبسط أعقد نظريات الفيزياء الحديثة وكأنه يحكي حدوتة قبل النوم. أينشتاين المسكين احتاج إلى معادلات معقدة ليشرح النسبية، أما أستاذنا كلاين فلا يحتاج إلا إلى ابتسامته الساحرة ونبرته المطمئنة وتلك العينين اللتين تلمعان ببريق خاص يمنحانه ثقة المشاهدين فورًا ودون تفكير. وهنا مربط الفرس: كيف تمنح الشاشة الشرعية لصاحبها؟ كيف يصبح الظهور الإعلامي بديلاً عن التحقق العلمي؟ وكيف يتحول المثقف إلى سلعة تباع وتشترى في سوق الاستهلاك الثقافي؟

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

لم يكن كلاين باحثًا عاديًا خافت الصوت. كان ظاهرة ثقافية، نجمًا تلفزيونيًا لامعًا، تجسيدًا لنموذج المثقف الذي تحتاجه الشاشات، فتدعوه إلى كل ندوة، وتستضيفه في كل قناة، وتصنع منه أيقونة للعلم في متناول الجماهير. والأفلام كلها، كما نعرف، تنتهي في لحظة ما. وهذا هو مصير كل وهج زائف، وكل نجم مصنوع في معامل الدعاية.

جدلية اللمعان والظلام

ولكل جواد كبوة، كما يقول المثل. لكن ما لا يقوله المثل أن هذه الكبوة لم تكن زلة عابرة، بل كشف للجوهر المخبوء تحت الأقنعة. هناك قانون غير مكتوب في فيزياء الشهرة؛ لا يلمع نجم إلا وعلى جانبيه ظلام دامس، وكلما اشتد اللمعان، اشتدت حلكة الظلام، وازدادت الحاجة النفسية إلى إخفائه. إنها جدلية اللمعان والظلام، تحكم مصائر الذين يراهنون على الصورة مقابل الحقيقة، وعلى المظهر مقابل الجوهر، وعلى البريستيج مقابل الضمير.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

نسي أستاذنا كلاين هذا القانون، أو لعله في غمرة نرجسيته الأكاديمية الزائفة ظن أنه الاستثناء الوحيد. الأنا العليا، كما يقول المحللون النفسيون الذين ندفع لهم ثروة ليشرحوا لنا ما نعرفه عن أنفسنا مسبقًا، لها حيلها الدفاعية. ومن أشدها فتكًا بصاحبها "الإيهام بالاستثناء": أن تتوهم أن قوانين البشر لا تنطبق عليك، وأن القواعد التي تحكم الآخرين لا تسري على ذاتك العظيمة التي لا يرقى إليها شك.

الجريمة التي نامت ربع قرن

خطيئة كلاين التي ظن أنها انطمرت إلى الأبد، كانت أطروحته للدكتوراه التي ناقشها عام 1999. أطروحة في فلسفة العلوم! يا للمفارقة المضحكة المبكية! أن تحدث الخيانة الكبرى للحقيقة في حقل يتخذ من الحقيقة موضوعه وغايته. وكأن اللص يسرق من بيت القاضي، أو كأن القاتل يذبح ضحيته في مركز الشرطة.

ظلت الأطروحة خمسة وعشرين عامًا كاملة محفوظة في أرشيف الجامعة، يعشش فوقها الغبار. لا يمسها أحد. فمن الذي يفكر في أن يدقق في عمل أكاديمي مضى عليه ربع قرن وصاحبه صار علمًا من أعلام الفكر الفرنسي ومرجعًا وأستاذًا للأجيال؟ ومن يجرؤ على اختراق ذلك الحاجز النفسي الذي تقيمه الشهرة بين الحقيقة ومن يسعى إليها؟

الجامعة تستيقظ من سباتها

لكن الجامعة فكرت، وتجرأت. قررت جامعة باريس سيتي أن تشكل لجنة علمية رصينة هادئة، تعمل بعيدًا عن ضجيج الإعلام وضغوط الشهرة. عشرون شهرًا كاملة من التنقيب والتمحيص والمقارنة. إنه تحقيق بوليسي من الطراز الرفيع، لكن أدواته لم تكن العدسة المكبرة ولا بودرة البصمات. أدواته تنتمي إلى عصر جديد؛ عصر خوارزميات الكمبيوتر الباردة التي لا تعرف الرحمة، وقواعد البيانات الرقمية التي لا يصيبها النسيان، وعين الآلة التي لا تنام.

وماذا وجدوا بعد هذا العناء كله؟ وجدوا أن ثلثي الأطروحة، ثلثاها تمامًا، ليس من تأليف صاحبها. ثلثا العمل الأكاديمي الذي بنى عليه كلاين مجده كله كان مسروقًا. لم تكن المسألة هفوة عابرة ولا خطأ غير مقصود. تخيلوا رجلاً يدعي أنه شيد قصرًا، ثم تكتشفون أن ثلثي حجارته مسروقة. هذا ما فعله كلاين بالضبط. قص ولصق. سطو متعمد، هادئ، واثق، وكأنه حق طبيعي من حقوقه. والأدهى أنه مارس محوًا كاملاً للآخر. اختفى أصحاب النصوص، أُعدموا أكاديميًا، ودُفنوا في مقبرة النسيان، وحل محلهم اسم واحد لامع هو إيتيان كلاين. هذه هي جوهر الأزمة؛ ليست السرقة فحسب، بل الإحلال. إحلال الذات الزائفة محل الذوات الحقيقية.

عذاب الضمير أم انعدامه

وهنا تحضرني أسئلة لا أملك إجابة شافية عنها، لأنها تتعلق بسريرة الإنسان، وذلك ما لا يعلمه إلا الله. كيف عاش هذا الرجل طوال هذه السنوات؟ كيف كان ينام الليل وهو يتقلب والوحش الكاسر ينهش في أعماقه؟ هل كان يرتجف خوفًا وهو يرى التكنولوجيا تتقدم وأدوات الكشف تزداد شراسة، وهو يعرف أن جريمته راقدة هناك تنتظر اللحظة المناسبة لتنهض من سباتها وتنطق؟

المؤكد أنه استمتع. استمتع بالمجد والمال والشهرة. استمتع بكونه كلاين المبجل، في الوقت الذي كان فيه كلاين الحقيقي مجرد لص نصوص، وظلًا باهتًا لآخرين لم ينالوا حقهم. وهنا تكمن المفارقة، أن تصبح مشهورًا بما لم تصنع، وأن تصبح مرجعًا بما لم تكتب، وأن تصبح عالمًا بما سرقت.

عدالة الآلة

الدرس الثاني يضرب في صلب العصر. في عام 1999، لم تكن أدوات كشف الانتحال متاحة كما اليوم. اعتمد المناقشون على ما هو إنساني محض؛ الثقة، الحدس، الخبرة. وفاتهم ما فاتهم. ربما شكوا، ربما همسوا. لكن الحدس لا يكفي لإدانة أحد. اليوم اختلفت المعادلة تمامًا. برامج تلتهم ملايين الكتب والأبحاث في ثوان، ثم تخرج لك تقريرًا مفصلاً باردًا دقيقًا، هذه الفقرة من هنا، وهذه الصفحة من هناك. الآلة في حيادها المطلق لا تجامل، لا تخاف، لا تحسب حسابًا للشهرة ولا للمكانة. أمام الآلة، الكل سواسية، الكل بلا ألقاب، الكل مدان إن كان مدانًا.

وهنا تكمن السخرية القدرية؛ التكنولوجيا التي طالما تباهى كلاين بتبسيطها للناس وتحدث عنها بحماسة العاشق هي نفسها التي أسقطته. الرجل الذي بنى شهرته على شرح العلم أسقطته التكنولوجيا. الرجل الذي وقف أمام الكاميرات يتحدث عن الذكاء الاصطناعي كان الذكاء الاصطناعي هو من كشف سره الدفين.

الجريمة الكبرى

لكن هناك بعدًا آخر هو الأهم، لأنه يمس صميم مفهوم الثقافة. كلاين لم يسرق أموالاً ولا ممتلكات مادية. بل سرق أفكارًا. سرق نتاج عقول أخرى سهرت وتعبت وعانت. وهذه أسوأ أنواع السرقة على الإطلاق، لأنها سرقة وجودية. المال المسروق يعوض، أما الفكرة إذا سرقت فقد يفقد صاحبها حقه فيها إلى الأبد. قد يظل مجهولاً، منسيًا، مهمشًا، بينما السارق يلمع في سماء الشهرة ويحصد ثمار جهد لم يبذله. إنها جريمة ضد الذاكرة الثقافية نفسها.

حكايات من أرض الكنانة

والحكاية لا تتوقف عند حدود فرنسا ولا عند كلاين وحده. إنها ظاهرة عالمية، ولنا في مصر حكايات وحكايات، بعضها أقرب إلى المهزلة، وبعضها أقرب إلى المأساة.

  • الحكاية الأولى: وزير تعليم عربي سابق يقف في ثمانينيات القرن الماضي على منصة جامعة القاهرة يلقي محاضرة عن "فلسفة التربية". كان يحمل الدكتوراه من أوروبا ويشار إليه في الإعلام بوصفه مفكرًا تربويًا. أستاذ متقاعد يهمس لجاره: "هذا الكلام قرأته من قبل". يعود إلى بيته يقلب في مكتبته حتى يجد الكتاب: ترجمة لجون ديوي. يقارن بين النصين فيكتشف أن "الوزير المفكر" كان يقرأ حرفيًا من الكتاب دون إشارة إلى مصدر. لم تقم قيامة، ولم تسحب شهادة. ومضى الجميع في حال سبيلهم. لكن الخبر ظل محفوظًا في ذاكرة من عاصروا الواقعة، يتناقلونه في المجالس الخاصة.
  • الحكاية الثانية: كاتب يفوز بجائزة أدبية مرموقة عن رواية بديعة. بعد عام يكتشف ناقد أن الرواية منقولة فصلاً فصلاً عن كاتب مجهول. غير السارق اسم المدينة ونقل الأحداث من فلسطين إلى القاهرة وأضاف بعض التفاصيل المحلية، وظن أن العمل صار ملكه. سحبت الجائزة واختفى الكاتب، لكن السؤال يظل مطروحًا كم من قارئ بقي يظن أن تلك الرواية من تأليف ذلك المزور؟
  • الحكاية الثالثة: معركة نقدية شهيرة في منتصف القرن العشرين. ناقد كبير ينشر مقالاً عن "الرمزية في الأدب العربي"، فيكتشف ناقد آخر أن فقرات كاملة منقولة حرفيًا عن كتاب لمستشرق فرنسي. يكتب مقالاً لاذعًا يرفقه بجدول يقارن بين النصين. تقوم الدنيا ولا تقعد، ثم تخفت الأصوات، ويمضي السارق في طريقه بل ويترقى في المناصب الثقافية ويصير رئيسًا لتحرير مجلة كبرى.
  • الحكاية الرابعة: طالب دكتوراه يتقدم بأطروحته ويمنح الدرجة. بعد ثلاث سنوات يتقدم طالب آخر بأطروحة في الموضوع نفسه. يجلس المشرف يقرأ فيشعر أنه يقرأ كلامًا مألوفًا. يعود للأطروحة الأولى فيكتشف أن الطالب الثاني نسخ صفحات كاملة. والمصيبة أن الطالبين كانا صديقين. فلما ووجه الثاني قال ببرود أعصاب: كنت مستعجلاً، والموضوع واحد، فقلت أوفر على نفسي الوقت. يا للهول! كيف صار الوقت أغلى من القيمة؟

وقديما قالوا إن "من بنى بيتًا على الرمل خانه الأساس". وبيت كلاين العلمي، ذلك الصرح الشاهق، كان مشيدًا على الرمل، أشبه ببيت ذلك الوزير الذي بنى أمجاده الأكاديمية على كتب غيره. سنوات من الشهرة والظهور الإعلامي والكتب التي تحمل أسماءهم. وكل هذا البنيان ينهار في لحظة واحدة. لأن الأساس كان فاسدًا في جوهره، فما بني عليه صار فاسدًا بالضرورة.

وهنا تكمن العبرة المرة التي يجب أن تصل إلى وجدان كل طلاب العلم، خاصة الشباب الذين قد يغويهم الطريق المختصر. لأن الطريق المختصر في العلم والإبداع والحياة هو دائمًا طريق مسدود. قد تصل في بدايته سريعًا، لكن نهايته المحتومة حفرة عميقة لا قرار لها. اسألوا كلاين، اسألوا ذلك الوزير، اسألوا ذلك الروائي. الجهد الصادق وحده هو الذي يبني. الكتابة الأصيلة، التعب المنتج، السهر والمعاناة الإنسانية مع الفكرة. هذه وحدها التي تبني شيئًا يستحق أن يسمى علمًا أو إبداعًا.

سجل المزورين

في النهاية ستبقى أسماء كثيرة. لكنها ستبقى لسبب آخر مختلف تمامًا عما كانوا يأملون. ستبقى كعبر، ودروس، وشواهد على أن الحقيقة مهما طال ليلها لا بد أن تشرق شمسها. ستبقى أسماؤهم محفورة لا في سجل الشرفاء، بل في سجل المزورين. وحين تحين لحظة الحساب، وتلك لحظة آتية لا ريب فيها، يفتح التاريخ دفتره العتيق ويقرأ بصوت جهوري ما سطره الزمن. ويومها لا ينفع الندم ولا البكاء. يومها يقف المرء عاريًا أمام أصله، فلا يملك إلا أن يسمع، وأن ينصت، وأن يتلقى الصفعة التي أجلها الزمن طويلاً لكنه لم ينسها أبدًا.

هذه نهاية كل مزور، في باريس أو القاهرة، في الفلسفة أو الأدب. هذه نهاية كل من يظن أن بإمكانه خداع التاريخ وخداع الحقيقة. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يخدع، لأنه ليس إلا الوجه الآخر للحقيقة وهي تتحقق في الزمن.