الرزق عطاء إلهي شامل
الرزق هو كل ما ينتفع به الإنسان من عطاء الله، ولا يقتصر على المال وحده؛ بل يشمل الصحة، وراحة البال، والعمل الصالح، والعلم. وهو عطاء مقسوم ومكتوب، والسعي فيه عبادة تتطلب الأخذ بالأسباب مع التوكل. فعن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ (ألهاكم التكاثر) قال: ((يقول ابن آدم: مالي مالي قال: وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت))؛ [مسلم ح (2959)].
الرزق الظاهر والباطن
ينقسم الرزق إلى نوعين رئيسيين: رزق ظاهر للأبدان كالأقوات، ورزق باطن للقلوب والنفوس كالمعارف والعلوم؛ كما في لسان العرب (5/ 203).
رزق الإيجاب والسلب
رزق الإيجاب هو الذي يزيد في دخل الإنسان، بينما رزق السلب هو الذي يمنع الإنسان من إنفاق ماله فيما لا طائل منه. ويسمى رزق السلب برزق البركة؛ فالإنسان عندما يكون دخله يسيرًا من حلال، يبارك الله له فيه على قلته، ومن كان دخله كثيرًا من حرام تفتح له مصارف المال الكثيرة فيضيع فيها المال.
رزق السعي
رزق يسعى إليه الإنسان: هو أن يضع الإنسان الخطط والمشاريع ويسعى لتحقيق المكاسب، وقد يدركها وقد لا يدركها. أما رزق يسعى إلى الإنسان: فهو أن يسعى الإنسان ويتقن عمله متوكلاً على الله، فيعطيه أكثر مما كان متوقعًا: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد:21، الجمعة: 4]. والله عز وجل يمن على من يتقيه برزق من حيث لا يحتسب؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3].
الرزق الحلال والحرام
الرزق الحلال هو كل ما انتفع به الإنسان من طريق مشروع، وهو الذي ضمنه الله لعباده المتقين. أما الرزق الحرام فهو كل ما انتفع به الإنسان عن طريق غير مشروع كالرشوة والربا، وهو ضمنه الله لغير المتقين. قال تعالى: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 126]. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته))؛ [رواه البزار ح (1253)].
صور متعددة للرزق
الرزق ليس قاصرًا على المال فحسب، بل له صور متعددة: العلم، والمال، والجنة، والماء، وسماع سنة رسول الله وتطبيقها، والفقه في الدين، وفهم القرآن، والكلم الطيب، واعتناق الإسلام، والشهادة في سبيل الله، والصبر، والأولاد، والبركة في الرزق، والعمل وأجر العامل، وأكل الصائم وشربه ناسيًا، والصحة، والأمن والأمان، والزوجة الصالحة، وحب الزوج لزوجته. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما غِرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة وإني لم أدركها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة، قالت: فأغضبته يومًا فقلت: خديجة! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد رُزقت حبها))؛ [أخرجه مسلم ح (2435)].
أحاديث نبوية عن الرزق
1) روى مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، قال: وعرشه على الماء))؛ (مسلم حديث 2653).
2) روى الشيخان عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحدَكم يُجمَع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله ملَكًا فيؤمر بأربع كلماتٍ، ويقال له: اكتُبْ عمله ورزقه وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح...))؛ (البخاري حديث 3208/ مسلم حديث 2643).
3) روى أبو نعيم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن رُوح القدس نفَث في رُوعي أن نفسًا لن تموتَ حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؛ فأجملوا في الطلبِ، ولا يحملَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصيةٍ؛ فإن اللهَ لا ينال ما عنده إلا بطاعته))؛ (صحيح الجامع للألباني حديث: 2085).
4) روى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الرِّزقَ ليطلُب العبدَ أكثرَ مما يطلبه أجله))؛ (صحيح الجامع للألباني - حديث 1630).
5) روى الحاكم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تستبطئوا الرزقَ؛ فإنه لم يكن عبد ليموتَ حتى يبلغه آخرُ رزقٍ هو له؛ فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب: أخذ الحلال، وترك الحرام))؛ (صحيح الجامع - للألباني - حديث: 7323).
6) روى الطبراني وأبو نعيم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: أضاف النبيُّ صلى الله عليه وسلم ضيفًا، فأرسل إلى أزواجه يبتغي عندهن طعامًا، فلم يجد عند واحدةٍ منهن، فقال: ((اللهم إني أسألك مِن فضلك ورحمتك؛ فإنه لا يملِكُها إلا أنت))، قال: فأُهديَ إليه شاة مَصْليَّة، فقال: ((هذه مِن فضل الله، ونحن ننتظر الرحمة))؛ (السلسلة الصحيحة للألباني - جـ 4 -صـ 57- حديث 1543).



