يشهد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط تحولات غير مسبوقة أعادت تشكيل مفهوم الأمن القومي العربي، ليس فقط من حيث طبيعة التهديدات، بل أيضاً من حيث أدوات الصراع وحدود الردع. فالعالم العربي لم يعد يواجه تهديدات تقليدية قائمة على الحروب النظامية المباشرة، بل دخل مرحلة «التهديدات المركبة» التي تجمع بين القوة العسكرية، والحروب السيبرانية، والصراعات الطائفية، والاختراق الاقتصادي، والتأثير الإعلامي، وتوظيف الجماعات المسلحة العابرة للحدود. وفي ظل غياب مشروع عربي موحد قادر على بناء منظومة أمن جماعي فعالة، برزت مشاريع إقليمية منافسة -إيرانية وتركية وإسرائيلية- تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ في المنطقة، بما يهدد الأمن القومي العربي ووحدة الدولة الوطنية العربية.
تغير طبيعة المخاطر
لقد تغيرت طبيعة المخاطر في الشرق الأوسط بصورة جذرية خلال العقدين الأخيرين. ففي السابق، كان التهديد يُقاس بحجم الجيوش والقدرات العسكرية التقليدية، أما اليوم فقد أصبحت الدول تواجه تهديدات غير متماثلة أكثر تعقيداً، مثل الهجمات الإلكترونية، والطائرات المسيّرة، والحروب بالوكالة، والاختراق الثقافى والإعلامي، إضافة إلى استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لإضعاف الدول من الداخل. وهذا التحول جعل مفهوم «حدود الردع» أكثر هشاشة، لأن الردع التقليدي لم يعد كافيًا في مواجهة فاعلين من الدول أو شبكات عابرة للحدود تعمل ضمن استراتيجيات طويلة الأمد.
المشروع الإيراني
وفي هذا السياق، برز المشروع الإيراني كأحد أبرز التحديات للأمن القومي العربي، إذ اعتمدت «طهران» على استراتيجية «النفوذ غير المباشر» عبر بناء شبكات من الحلفاء والجماعات المسلحة في عدد من الدول العربية، مستفيدة من الفراغات السياسية والانقسامات الداخلية. وقد مكّنها ذلك من تعزيز حضورها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لتتحول من قوة إقليمية تقليدية إلى فاعل مؤثر فى معادلات الأمن العربي. وتقوم الاستراتيجية الإيرانية على الجمع بين البعد العقائدي والبعد الجيوسياسي، بما يسمح لها بتوسيع نفوذها دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة مع القوى الكبرى.
المشروع التركي
أما المشروع التركي، فقد عاد بقوة إلى المنطقة عبر توظيف أدوات القوة الناعمة والخشنة معاً. فتركيا تسعى إلى توسيع نفوذها في العالم العربي من خلال الاقتصاد، والاستثمارات، والإعلام، والقواعد العسكرية، والتدخلات السياسية، مستندة إلى خطاب تاريخي وثقافي يستحضر الإرث العثماني. ورغم أن التحرك التركي يختلف عن المشروع الإيراني من حيث الأدوات والأيديولوجيا، فإنه يشترك معه في استغلال حالة الانقسام العربي وغياب الرؤية العربية المشتركة.
المشروع الإسرائيلي
في المقابل، يمثل المشروع الإسرائيلي التهديد الأكثر استدامة وخطورة على الأمن القومي العربي؛ لأنه يستند إلى تفوق عسكري وتكنولوجي واستخباراتي كبير، مدعوم بتحالفات دولية واسعة. وقد انتقلت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة من مرحلة «إدارة الصراع» إلى مرحلة إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، سواء عبر التطبيع، أو عبر بناء تحالفات أمنية جديدة، أو من خلال استغلال التوترات الإقليمية لتعزيز موقعها كقوة مركزية في الشرق الأوسط. كما أن الحرب في غزة والتصعيد المستمر في الأراضي الفلسطينية كشفا عن تحولات خطيرة في طبيعة الصراع، حيث أصبحت إسرائيل تستخدم أدوات الردع الشامل والضغط الاقتصادي والإعلامي إلى جانب القوة العسكرية.
الفراغ الاستراتيجي العربي
إن أخطر ما يواجه الأمن القومي العربي اليوم ليس فقط تعدد المشاريع الإقليمية المنافسة، بل غياب مشروع عربي موحد قادر على بناء رؤية استراتيجية شاملة. فالعالم العربي يعاني من تراجع التنسيق السياسي والأمني، وغياب مؤسسات فاعلة للأمن الجماعي، إضافة إلى تصاعد الخلافات البينية التى أضعفت القدرة العربية على التعامل مع التهديدات المشتركة. وهذا الفراغ الاستراتيجي فتح المجال أمام القوى الإقليمية والدولية للتدخل في الشئون العربية وإعادة رسم خرائط النفوذ.
السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: استمرار حالة التفكك العربي
يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، في ظل استمرار الانقسامات العربية، وضعف العمل العربي المشترك، وتنامي الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية داخل عدد من الدول العربية. وتتمثل شروط تحقق هذا السيناريو في استمرار غياب مشروع عربي موحد، وتصاعد التدخلات الإقليمية والدولية، وفشل مؤسسات العمل العربي الجماعي في بناء منظومة ردع مشتركة، إضافة إلى اتساع الحروب بالوكالة والصراعات الطائفية. أما فرص تحققه فتُقدّر بأنها مرتفعة، قد تتجاوز 65%، بسبب استمرار حالة الاستقطاب الإقليمي وتراجع القدرة العربية على إدارة التحديات الاستراتيجية بصورة جماعية وفعالة.
السيناريو الثاني: تشكّل توازنات إقليمية جديدة
يقوم هذا السيناريو على نشوء تفاهمات إقليمية ودولية بين القوى المؤثرة في الشرق الأوسط، بما يؤدي إلى خفض حدة المواجهات العسكرية المباشرة واحتواء الأزمات دون معالجتها جذرياً. وتتمثل شروط تحقق هذا السيناريو فى نجاح الوساطات الدولية، واستمرار سياسة التهدئة بين إيران ودول الخليج، وتراجع احتمالات الحرب الشاملة، إضافة إلى وجود مصالح اقتصادية مشتركة تدفع نحو الاستقرار النسبى. إلا أن هذا الاستقرار سيبقى هشاً بسبب غياب مشروع عربي موحد. وتُقدّر فرص تحقق هذا السيناريو بنحو 50%، خاصة مع تفضيل القوى الكبرى إدارة الصراع بدل حسمه بصورة نهائية.
السيناريو الثالث: إعادة بناء مشروع عربي استراتيجي
يُعد هذا السيناريو الأقل احتمالاً فى المدى القريب، لكنه الأكثر أهمية لمستقبل الأمن القومى العربى، إذ يقوم على بناء منظومة عربية مشتركة قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية بصورة جماعية. وتتمثل شروط تحقق هذا السيناريو فى توافر إرادة سياسية عربية موحدة، وتجاوز الخلافات البينية، وتعزيز التكامل الاقتصادى والعسكرى والتكنولوجى، إضافة إلى الاستثمار فى التعليم والبحث العلمى والصناعات الدفاعية والأمن السيبرانى. كما يتطلب إدراكاً عربياً بأن التهديدات الراهنة ذات طابع وجودى. وتُقدّر فرص تحقق هذا السيناريو بنحو 25% حالياً، لكنها قد ترتفع مع تصاعد المخاطر المشتركة التى تهدد استقرار المنطقة العربية بأكملها.
مفهوم الردع الجديد
إن مفهوم الردع في الشرق الأوسط لم يعد مرتبطاً فقط بالقوة العسكرية، بل أصبح يشمل القدرة على حماية الاقتصاد، وتأمين الفضاء الإلكتروني، وإدارة المعلومات، والحفاظ على التماسك الاجتماعى والسياسى للدولة. فالدول التى تفشل فى بناء جبهة داخلية قوية تصبح أكثر عرضة للاختراق الخارجى، مهما امتلكت من قدرات عسكرية.
لحظة تاريخية حاسمة
وفي ظل التحولات الدولية نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، تبدو المنطقة العربية أمام لحظة تاريخية حاسمة. فإما أن تستمر فى حالة التشرذم والتبعية للمشاريع الإقليمية والدولية، وإما أن تعيد صياغة مشروع عربى جديد يستند إلى المصالح المشتركة والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. إن الأمن القومي العربي لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح قضية وجودية تتعلق بمستقبل الدولة الوطنية العربية وهويتها ومكانتها في النظام الدولي القادم. ويمكن القول إن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتسم بتآكل الحدود التقليدية بين الحرب والسلم، وبين الداخل والخارج، وبين الأمن العسكرى والأمن الاقتصادى والثقافى. وفى هذه البيئة المعقدة، فإن بقاء العالم العربى خارج معادلة الفعل الاستراتيجى سيجعله أكثر عرضة للابتزاز والتفكك. ولذلك فإن بناء مشروع عربى موحد لم يعد خياراً فكرياً أو سياسياً فقط، بل ضرورة استراتيجية لحماية الأمن القومى العربى فى عصر التهديدات المركبة.
* أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال - الأردن



