لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013 في مصر مجرد انتفاضة شعبية استرددنا بها هوية وطننا الفكرية والحضارية فحسب، بل كانت نقطة التحول الاستراتيجية التي أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والشباب صياغة جذرية.
تحول الوعي الوطني إلى قوة دفع حقيقية
بالنسبة لي، ولأبناء جيلي من شباب الثورة، لم يكن الهدف يوماً مقصوراً على الوجود في الميادين والتعبير عن الرفض، بل كان الطموح الأسمى هو تحويل ذلك الوعي الوطني المتأجج إلى قوة دفع حقيقية تشارك في بناء مصر الحديثة، وتتحمل المسؤولية الوطنية في أدق مراحلها التاريخية وأكثرها حرجاً.
ثقة القيادة السياسية في الكوادر الشبابية
من هذا المنطلق، حظيتُ بشرف عظيم واعتزاز بالغ حين وضعت القيادة السياسية ثقتها الغالية في شخصي المتواضع في غمرة تلك الأحداث الفاصلة، إذ تشرفت باختياري متحدثاً رسمياً باسم حملة الرئيس عبدالفتاح السيسي الانتخابية عام 2014. وكان هذا التكليف بمثابة اختبار حقيقي ومسؤولية وطنية كبرى، وضعت على عاتقي أمانة التعبير عن تطلعات الشارع المصري، والدفاع عن رؤية الدولة المصرية الجديدة وطموحاتها أمام الرأي العام في الداخل والخارج على حد سواء.
ولم يقف هذا الشرف عند حدود العمل السياسي وإدارة الحملة الانتخابية، بل امتدت تلك الثقة الغالية لتُترجم عملياً في منظومة العمل التنفيذي للدولة، حيث توليت منصبي بعد ذلك معاوناً لرئيس مجلس الوزراء. وبفضل هذه الفرصة العظيمة التي كانت من أولى ثمار ثورة 30 يونيو ومكتسباتها، أتيحت لي ولزملائي من الكوادر الشبابية فرصة الوجود الفعلي داخل أروقة صناعة القرار التنفيذي، لنكون همزة الوصل التي تنقل نبض الشباب وأفكارهم، وتحولها إلى خطط عمل واستراتيجيات ومشروعات قومية تسهم بقوة في مسيرة البناء والتنمية الشاملة التي انطلقت في ربوع مصر كافة.
من الشعارات البروتوكولية إلى استراتيجية وطنية
إن ما شهدناه وعشناه بعد عام 2013 لم يكن وليد صدفة أو مجرد إجراءات استثنائية عابرة، فقبل هذا التاريخ الفارق كان الحديث عن تمكين الشباب وإشراكهم في قيادة الدولة لا يتعدى كونه شعارات بروتوكولية، تُرفع في المناسبات الرسمية دون آليات حقيقية للتطبيق. ولكن بفضل ثورة 30 يونيو، والإرادة السياسية الحازمة والمؤمنة بقدرات الشباب من قِبل الرئيس عبدالفتاح السيسي، تحول مفهوم التمكين إلى استراتيجية وطنية حتمية وعقيدة راسخة لبناء «الجمهورية الجديدة».
آليات ملموسة لتمكين الشباب
لقد آمنت الدولة عميقاً بأن الشباب الذين كانوا وقوداً لمعركة استرداد الوطن وصون هويته، يجب أن يكونوا هم أنفسهم القوة المحركة لمعركة البناء والتعمير. وقد تجسدت هذه الفلسفة الجديدة في مسارات ملموسة وخطوات غير مسبوقة، بدءاً من تأسيس الأكاديمية الوطنية للتدريب، لتكون المصنع الحقيقي لتأهيل الكوادر الشبابية وفق أعلى المعايير القيادية العالمية، مروراً بإطلاق المؤتمرات الوطنية للشباب التي فتحت لنا قنوات اتصال مباشرة وصريحة مع رأس الدولة ومسؤوليها دون حواجز، وصولاً إلى الدفع الفعلي بالشباب في مفاصل الدولة الإدارية والسياسية، حيث رأينا لأول مرة مئات الشباب والفتيات يتولون مناصب نواب ومعاوني الوزراء والمحافظين، ويمثلون الشعب بقوة داخل أروقة البرلمان بمجلسيه.
تجربة شخصية في خدمة الدولة
في النهاية، فإن تجربتي الشخصية سياسياً وتنفيذياً تشرفت بالخدمة في تلك المرحلة الفارقة، التي لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من لوحة وطنية أشمل، رسمتها الدولة المصرية الحديثة لتقدير أبنائها المخلصين. لقد أثبتت التجربة المصرية الراسخة أن تمكين الشباب في عهد الجمهورية الجديدة لم يكن يوماً منحة، بل هو استحقاق وطني أصيل يُترجم عبر الكفاءة والعلم والعطاء المستمر. وأشعر اليوم بفخر كبير لكوني واحداً من ذلك الجيل الذي حظي بفرصة الانتقال من مرحلة «المطالبة بالتغيير» في الميادين، إلى شرف «إدارة التغيير وصناعة المستقبل» من داخل مؤسسات الدولة القيادية، لتظل ثورة يونيو حية ومجيدة بإنجازاتها وبسواعد أبنائها المخلصين.. تحيا مصر... تحيا مصر.



