رحلة البحث عن الزومبي في شوشرة على النيل: نقد أدبي لرواية محمد الهلباوي
رحلة البحث عن الزومبي في شوشرة على النيل

السيد شحتة يكتب: رحلة البحث عن «الزومبي» في «شوشرة على النيل»

ما الذي يمكن أن يحدث عندما تجتمع ليلى علوي وجينيفر لوبيز وسيد رجب وظافر العابدين في فيلم سينمائي من إنتاج أحمد السبكي يحمل اسم «حب في الشفخانة»؟ حتماً من المستحيل لفيلم كهذا أن يرى النور إلا في خيال أحدهم. هذا الفيلم العبثي ليس مجرد مشهد في عمل روائي، لكنه تعبير عن حالة عامة داخل نص متمرد يحطم كاتبه الكثير من القوالب الجاهزة، ويفتح على نفسه أبواب عواصف عاتية، خاصة من اتجاه نقدي كلاسيكي ينظر لكل لون جديد من الكتابة بوصفه فتنة يجب درؤها في مهدها حتى لا تستهوي آخرين.

فك شفرة من قرروا أن يعيشوا الحياة في ثياب الزومبي ليس أمراً سهلاً كما يتخيل البعض، وإذا كانت مهمة إطلاق الأحكام المطلقة قد استهوت الكثيرين، إلا أن رحلة البحث عن الأشباح التي تسكن المدينة لا يمكن أن تستميل إلا كاتباً تألم كثيراً، فقرر أن يجعل من سطوره ميكروفوناً لسماع صرخات بعض المسحوقين، وهو ما يفعله الكاتب الصحفي محمد الهلباوي في رواية «شوشرة على النيل» والصادرة حديثاً عن دار شمس للنشر والإعلام.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

عناق كأنه الحضن الأخير قبل الطوفان، هكذا بدا كل شيء هنا على شاطئ نهر النيل، غروب يعانق صفحة النهر كأنه يودعها دون لقاء جديد، أغصان متجاورة تقاوم الإعصار والأمواج المتلاطمة فتتعانق في خجل وخوف، فيما كان عاشقان يتوحدان عناقاً بالقرب من نفس الشجرة التي شهدت لقاءهما الأول قبل أن يضم قلبيهما وجع البعاد، كتب لها في آخر لقاء بينهما بقلمه الحبر الأثير على أوراق زهرة بيضاء قطفها لتوه: «ويغمرني الشوق إليك كطوفان نوح»، فكان طوفان الفراق.

يبدأ محمد الهلباوي روايته «شوشرة على النيل» بهذا المشهد قبل أن تعلو موجات السرد وتهبط وتأخذنا إلى الأعماق في رحلة لإعادة اكتشاف أنفسنا وإلى المدينة التي نظن أننا أدرى بشعابها ونحن نوشك أن نتوه فيها للأبد.

عندما تفوق الحقيقة في مرارتها قدرة الكاتب على الاحتمال، فإنه يكون أمام خيارين كلاهما أصعب من الآخر؛ إما أن يتعامل معها بوصفها واقعاً يصعب تغييره، أو يحاول إنكارها وتفكيكها بكل ما أوتي من قوة، لكن محمد الهلباوي اختار أن يفعل شيئاً آخر، وهو أن يسخر من الجميع على طريقة «يا عزيزي كلنا جناة ومجني عليهم»، بمن فيهم المؤلف الذي ورط نفسه في نص وجد صعوبة في تصنيفه إلى أي جنس أدبي ينتمي، رغم أن هدفه الأول كان كتابة رواية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

لا يكتفي الهلباوي بالسخرية من أبطاله الذين هم في أغلبهم ضحايا لواقع صعب، ولكنه لا يستثني أحداً، كما قال أحمد زكي في مرافعته الشهيرة في فيلم «ضد الحكومة» للمخرج الكبير عاطف الطيب، لذا نجد حضوراً مغلفاً بنزعة كوميدية لأغلب الإعلاميين والكتاب، كل باسمه، ومن بينهم على سبيل المثال منى الشاذلي ولميس الحديدي وعمرو أديب وحمدي رزق، حتى أقرب أصدقائه مثل ماهر حسن وحمدي رزق لم يسلموا من الهلباوي الذي يبدو أنه قرر أن يتحدث إلى الجميع وعنهم في الوقت نفسه، وهو هنا يصر على خلق حالة من الصدمة لدى القارئ عبر التخلي الكلي عن الرمز واستبداله بنسج علاقات وتشابكات بين شخصيات واقعية يعرفها الجميع وأخرى تبدو من صنع خياله الروائي.

لا يعير الهلباوي نظريات موت الكاتب داخل النص أي اهتمام، بل إنه لا يجد غضاضة في أن يتطرق في جزء من عمله إلى المعاناة التي تكبدها هو شخصياً، سواء في علاقته بالشخصيات الروائية أو الواقعية! التمرد هو الكلمة المفتاحية الأنسب لقراءة «شوشرة على النيل»، منذ الصفحات الأولى يقرر الهلباوي أن يحطم الكثير من القواعد المستقرة حتى يخيل للمرء مع الصفحات الأخيرة أنه لم يترك شيئاً واحداً صادفه في طريقه دون أن يوجه له ضربة محسوبة.

«شوشرة على النيل» سردية مختلفة، قطعة أدبية واحدة، لا فصول، لا عناوين فرعية، سيناريو مقسم لعدد كبير من المشاهد مع فواصل غنائية ولغة ساخرة إلى أبعد مدى مع حضور قوي للعامية. اختار الهلباوي في أول عمل روائي له أن يضع نفسه في قلب مغامرة محفوفة بالمخاطر عندما قرر أن يجعل من رواية «ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ ما يشبه المفتتح لنصه، رغم أنه يتضح سريعاً أنه أراد أن يبرز حجم التفاوتات الهائلة التي طالت الكيف، والذي انتقل من الحشيش في الزمن الجميل إلى الاستروكس في أوكار الزومبي.

كلنا تحولنا إلى زومبي بشكل أو بآخر، هذه هي الصرخة التي يطلقها الهلباوي في «شوشرة على النيل»، الحقيقة أصبحت أقسى من قدرتنا جميعاً على الاحتمال، كلنا مغيبون بشكل أو بآخر، بداية من الكاتب الذي فقد السيطرة على شخوصه، تحولت السردية في مرحلة ما إلى ساحة للاقتتال بين الأبطال أو الضحايا والمؤلف، كل واحد منهم يبحث عن المكسب ولو على حساب الآخرين، وسط هذا كله يجد صلاح سترفيلد الذي يتحول إلى بطل في لحظة ما الفرصة لتقديم فلسفته للواقع الذي يصعب توصيفه عبر المداخلات التي يقوم بها مع عدد من كبار نجوم التوك شو.

بطل الرواية شاب ثلاثيني نحيف يعيش في منزل مطل على النيل في رملة بولاق، يتميز بردود فعله الكوميدية التي يخفي خلفها إحباطه من قسوة الحياة، ويحلم بعودة أيام «مخدرات الزمن الجميل»، ويصل به الأمر إلى إجراء اتصالات هاتفية بعدد من كبار مقدمي برامج التوك شو للتحذير من خطورة الاتجار في المخدرات الجديدة مثل الآيس! أسماء الشخصيات في الرواية لم تكن عبثية، وجاءت كلها في إطار حرص واضح من الهلباوي على أن يأخذ قراءه في رحلة إلى حروب الكيف وكيف تطورت، تنتهي صفحات الرواية، لكن تبقى سلسلة الصدمات المتوالية تعبيراً عن واقع أغرب من الخيال.