آية آل عمران 144: لحظة الوفاة النبوية وتأسيس الوعي الجديد للأمة
في يوم الثلاثاء الموافق 24 فبراير 2026، كتبت الدكتورة نجلاء شمس مقالةً عميقةً تستعرض دور آية من القرآن الكريم في تثبيت قلوب الصحابة بعد وفاة النبي محمد ﷺ. الآية هي قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران: 144).
تجسيد اللحظة النبوية وتلاوة أبو بكر الصديق
لم تكن هذه الآية مجرد تذكيرٍ بحقيقة الموت، بل كانت تأسيسًا لوعيٍ جديد في قلوب الصحابة. فعندما تلاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم اضطربت المدينة، شعر الحاضرون وكأنها تُتلى لأول مرة، حيث ربط القرآن على القلوب في ساعة الفقد. لقد جسّدت الآية لحظة الوفاة النبوية بشكلٍ فريد، مؤكدةً أن الرسالة باقية رغم غياب الرسول عن الدنيا، وأن النبوة قد خُتمت، لكن مسؤولية الأمة بدأت من هنا.
ومن هذا المنطلق، يبدأ الفهم الصحيح لتلك اللحظة التاريخية؛ فهي لم تكن صدمةً إنسانيةً فحسب، بل كانت انتقالًا تاريخيًا من عهد التلقي المباشر إلى عهد حفظ الأمانة. لقد تداخل في تلك الساعة البكاء مع الوعي، والصدمة مع المسؤولية، والحنين مع الثبات، مما جعلها لحظةً فريدةً في تاريخ الإسلام.
المشهد الإنساني والاضطراب في المدينة
اضطربت القلوب وكادت المدينة أن تفقد اتزانها من شدة الصدمة، حتى أنكر بعض الصحابة الخبر أول الأمر. كان المشهد إنسانيًا بامتياز، حيث ساد حزنٌ جارف وذهولٌ عميق، وقلوبٌ لم تتصور يومًا أن تُفارق نبيها. غير أن الصورة الكاملة لا تُفهم إلا بجمع أطرافها؛ ففي خضم هذا الحزن، بدأت مسؤولية حفظ الجماعة تتشكل بوعيٍ راسخ.
وهنا يخطئ بعض الطرح حين يختزل اللحظة في صورة صراعٍ سياسي، متجاهلًا الوقائع الثابتة في السيرة النبوية. ففي الداخل، تولّى عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه مباشرةً غسل النبي ﷺ، وشاركه في ذلك العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، بحضور عددٍ من أهل بيته وخاصته، وقد جرى ذلك في حجرة عائشة رضي الله عنها.
الترتيبات الداخلية والخصوصية النبوية
لم يكن الأمر انفرادًا ولا غيابًا عامًا، بل ترتيبًا ينسجم مع تقاليد تجهيز الموتى ومع خصوصية المقام النبوي. في دائرةٍ ضيقة من أقرب الناس إليه، ساد خشوعٌ يليق بجلال اللحظة، ووفاءٌ لا يحتاج إلى إعلان. وفي المقابل، كان الواقع السياسي في المدينة يتطلّب حسمًا يحفظ وحدة الأمة؛ إذ اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ثم حضر أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
التداول السياسي واستقرار القيادة
تداولوا الأمر حتى استقرت البيعة مساء ذلك اليوم. لم يكن ذلك سباقًا إلى سلطة، بل خشيةً من فراغٍ قد يهدد وحدة الأمة في لحظة هشاشة. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة — حين اندلعت الردة في أطراف الجزيرة — أن استقرار القيادة كان ضرورةً لحماية الكيان الإسلامي الناشئ. ومن هنا يمكن فهم القراءة الاجتزائية التي تُصوّر المشهد على أنه تخلي أو انشغال عن النبي ﷺ.
الحقيقة التاريخية وثبات الصحابة
والحقيقة التاريخية تُثبت عكس ذلك بوضوح؛ فالصحابة هم الذين ثبتوا بعد وفاته، وهم الذين قاتلوا المرتدين، وهم الذين حملوا الرسالة للعالم. فلو كانوا قد تخلّوا عنه، لما حفظوا دينه، ولا ثبتت الدولة، ولا انتشر الإسلام في الآفاق. ومن أخصّ مشاهد تلك الساعات أن الصحابة صلّوا على النبي ﷺ أفواجًا، يدخلون فيُصلّون عليه فرادى أو جماعات دون أن يؤمهم أحد.
مشهد الصلاة الفريد وتعظيم المقام النبوي
في مشهدٍ فريدٍ عُدَّ من دلائل تعظيم مقامه الشريف ﷺ. فالنبوة مقامٌ إلهي لا يعلوه مقام، وأما الإمامة السياسية فوظيفةٌ بشرية لحفظ النظام. لم تختلط القداسة بالسلطة، ولم يُزاحم المقام النبوي أي منصبٍ بشري. وعند إعادة قراءة تلك اللحظة بعيدًا عن الإثارة، تتكشف صورةٌ متكاملة: حزنٌ صادق، تجهيزٌ كريم، صلاةٌ تعظيمًا، وحسمٌ سياسي حال دون التفكك.
نجاح الأمة في الاختبار التاريخي
لم تكن المدينة يومها ساحة نزاع، بل ساحة اختبار نجحت فيه الأمة لأنها جمعت بين حرارة العاطفة وبصيرة التدبير؛ حتى لقد بكى التاريخ يومها، لكنه لم ينكسر. وفي ليالي رمضان، حين يُتلى القرآن بخشوع، تعود الآية لتتردد في القلوب: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ﴾. غاب الجسد الشريف، لكن المنهج بقي؛ وبقيت الرسالة أمانةً في أعناق من فهموا أن الوفاء ليس دمعةً تُذرف، بل عهدًا يُحفظ.
وهكذا كتب ذلك اليوم أن هذه الأمة لا تنكسر ما دامت تعي معنى الآية؛ فهي قادرةٌ أن تجدد عهدها كلما ادلهمّتِ الخطوبُ، وأن تحبّ نبيها ﷺ حبًا واعيًا يحفظ مقامه، ويصون وحدتها، ويثبتها حين تهتزّ القلوب.