بعد قرن كامل.. رسالة هوارد كارتر تفضح أسطورة "لعنة الفراعنة" وتكشف مشاعره الحقيقية
بعد مرور ما يقرب من مائة عام على اكتشاف مقبرة توت عنخ أمون، خرجت إلى النور رسالة مفاجئة كتبها عالم الآثار البريطاني الشهير هوارد كارتر، يعبر فيها بصراحة غير مسبوقة عن ارتياحه لوفاة الصحفي آرثر ويغال، الذي يُنسب إليه اختراع أسطورة "لعنة الفراعنة" الشهيرة، واصفًا إياها بـ"النعمة الحقيقية".
كارتر يصف اللعنة بالخطر على علم الآثار
في الرسالة المؤرخة في يناير 1934، والتي كُشفت حديثًا، كتب كارتر إلى سيدة تُدعى هيلين لونيديس معبرًا عن مشاعره المتناقضة. فبينما عبر عن حزنه لوفاة دوقة ألبا، وصف وفاة ويغال قائلًا: "في الواقع، وفاته تُعد نعمة حقيقية. فبالرغم من كونه كاتبًا ماهرًا، إلا أنه كان ماكرًا، فاختراعاته لم يكن لها أي أساس، وكانت بذلك تشكل خطرًا على علم الآثار".
وأضاف كارتر، الذي اكتشف المقبرة الملكية في وادي الملوك عام 1922، أن بعض هذه الاختراعات كانت "من أجل إثارة مؤقتة وتسليّة على حساب الآخرين"، مؤكدًا أن "لعنة توت عنخ آمون كانت من اختراعه".
القصة الكاملة لاختراع اللعنة والصراع الإعلامي
تعود جذور القصة إلى فبراير 1923، عندما كان آرثر ويغال، عالم المصريات البارز الذي يعمل لصصحيفة ديلي ميل، في الأقصر لتغطية فتح المقبرة. وقد شعر ويغال باستياء عميق بعد أن أبرم كارتر والممول اللورد كارنارفون اتفاقًا حصريًا مع صحيفة ذا تايمز مقابل 5000 جنيه إسترليني و75% من الأرباح، مما حرمه من الوصول المباشر.
وبحسب الروايات التاريخية، شاهد ويغال اللورد كارنارفون يدخل المقبرة "في حالة من المرح"، فتنبأ له قائلًا لأحد المراسلين: "إذا دخل وهو بهذه الروح، فأنا أمنحه ستة أسابيع فقط ليعيش". وبعد ستة أسابيع بالضبط، توفي كارنارفون نتيجة مضاعفات لدغة بعوضة، مما غذى نظريات ويغال حول اللعنة.
ومنذ ذلك الحين، روّج ويغال لفكرة أن أي شخص يزعج مومياء الفراعنة سيواجه حظًا سيئًا أو مرضًا أو حتى الموت، من خلال سلسلة مقالات جذبت انتباه القراء المؤمنين بالخرافات حول العالم، لكنها أثارت استياء كارتر الذي رأى فيها تهديدًا لمصداقية الحقل الأثري.
تفاصيل الرسالة المكتشفة والمزاد العلني
الرسالة الجديدة، التي كتبها كارتر بخط يده وتتألف من ثلاث صفحات وتحمل ترويسة "كورنا، الأقصر، مصر"، خرجت إلى الضوء من خلال بيعها في مزاد RR Auction في بوسطن، حيث بيعت مقابل 12,530 جنيهًا إسترلينيًا (ما يعادل 16,643 دولارًا أمريكيًا).
وفي جزء آخر من الرسالة، يوجه كارتر الحديث بعيدًا عن الموضوع، قائلًا: "يكفي هذا السم، يجب أن أوجه الحديث إلى موضوع أكثر متعة"، مما يعكس مدى استيائه من الموضوع برمته.
الخلفية التاريخية والاتهامات المتبادلة
كان ويغال قد أرسل رسالة إلى كارتر في يناير 1923، حذر فيها من سوء التصرف، جاء فيها: "لقد ارتكبتم أنت ولورد كارنارفون الخطأ الأولي بالاعتقاد أن الهيبة البريطانية القديمة في هذا البلد ما زالت قائمة... وأي خطوة خاطئة صغيرة قد تسبب أكبر الأضرار لبلدنا".
من جانبه، وصف حفيد ويغال، بيتر ويغال، في وثائقي عام 2012، موقف جده قائلًا: "كان آرثر عالم آثار محترفًا وكان يرفض بشدة تصرفات كارتر وكارنارفون، الذين كان يعتبرهما هواة. وكان مذهولًا لرؤيتهما يركضان في المقبرة ويضحكان".
كما تحدثت إيفي ليثام، الحفيدة الرابعة للورد كارنارفون، عن الموضوع قائلة: "لا أعلم إذا كانت هناك لعنة حقيقية، لكن بيتر اعتقد أن جده كان لديه حدس بأن كارنارفون سيموت. ربما هذا أقرب شيء للعنة بالنسبة له".
تأكيدات علمية ونهاية الأسطورة
يذكر أن الدكتور زاهي حواس، عالم الآثار ووزير الآثار الأسبق، أكد في مناسبات سابقة أن فكرة "لعنة الفراعنة" مجرد خرافة لا تستند إلى أي أساس علمي، موضحًا أن النصوص التي كانت تُكتب على جدران المقابر الفرعونية، والمعروفة باسم "نص اللعنة"، كان هدفها التحذير الرمزي أو الدعاء بعدم انتهاك حرمة المقبرة، وليس توقيع عقاب خارق للطبيعة.
وبهذا، تؤكد الرسائل والوثائق التاريخية، بعد مرور قرن من الزمان، كيف كان هوارد كارتر يعتبر آرثر ويغال تهديدًا حقيقيًا لمهنة علم الآثار، وكيف أشاد بوفاته على خلفية إشاعاته التي حولت أحد أعظم الاكتشافات الأثرية في التاريخ إلى أسطورة مرعبة استمرت لعقود.



