المسجد العباسي بشبين الكوم: أيقونة روحانية ومعمارية عمرها 115 عاماً
في قلب شوارع مدينة شبين الكوم القديمة بمحافظة المنوفية، يقف المسجد العباسي شامخاً كصفحة حية من كتاب التاريخ، حيث تتردد بين جدرانه حكايات تمتد لأكثر من قرن من الزمان. مئذنته التي تعانق السماء، وأبوابه الخشبية العتيقة، ونقوشه التي لم تبهت رغم تعاقب السنين، جميعها تشهد على زمن مضى وما زال حياً في تفاصيل هذا المكان المقدس. رغم مرور عقود طويلة على إنشائه، وخضوعه لأعمال ترميم متعاقبة، فإن المسجد ما زال محتفظاً بروحه الأولى وملامحه الأصلية، وكأن الزمن احترم قدسيته فتوقف عند عتبته.
تاريخ إنشاء المسجد وتفاصيله المعمارية
تحدث الشيخ هاني رضوان، إمام وخطيب المسجد العباسي، موضحاً أن المسجد شُيِّد عام 1911 في عهد الخديو عباس حلمي الثاني، ولذلك سُمّي «العباسي» نسبة إليه. وأشار إلى أن له نسخاً مشابهة في محافظتي دمياط وبورسعيد، إلا أن مسجد شبين الكوم يعد الأكبر بينها، والأكثر حفاظاً على طابعه المعماري وتراثه منذ إنشائه حتى اليوم. وتبلغ مساحة صحن المسجد نحو 1000 متر مربع، بينما تصل المساحة الإجمالية للمسجد بمحيطه إلى ما يقرب من 1300 متر، ما يجعله واحداً من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في محافظة المنوفية.
وتابع الشيخ البالغ من العمر 46 عاماً، أن المسجد منذ نشأته يضم 6 أبواب و14 نافذة، وفوق كل باب وشباك شرفة من الأرابيسك تحمل الطراز الإسلامي الأصيل. كما يرتكز داخله على 15 عموداً من الرخام والحجارة، تعكس فخامة البناء ودقته، ويتزين بـ8 قطع من النجف المصنوعة من أجود أنواع الكريستال النقي، إلى جانب 30 قنديلاً تستخدم في إنارة الأسقف المزينة بالزخارف الأثرية. هذا يمنح المكان طابعاً روحانياً يجمع بين عراقة المعمار وجمال التفاصيل الفنية، وما زال كرسي القارئ والمنبر وخشبة المبلغ قائمة في أماكنها دون تغيير منذ تأسيسه، حيث تبلغ قيمة المقتنيات الأثرية والتاريخية داخل المسجد العباسي ملايين الجنيهات.
دور المسجد كمركز روحاني واجتماعي
وأضاف رضوان أن المسجد يتسع لأكثر من 1500 من المصلين، الذين يتوافدون عليه يومياً من مختلف قرى المنوفية، إلى جانب الزائرين القادمين من محافظات أخرى، ما يجعله نقطة التقاء دينية وروحانية مهمة في المنطقة. وأشار إلى أن أعداد المصلين تزداد بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان، حيث يمتلئ المسجد بالمعتكفين، ورواد صلاة التراويح، وتنتشر الأجواء الروحانية في أرجائه بشكل كبير، حتى يكاد لا يخلو مكان من المصلين طوال أيام الشهر الفضيل. هذا المشهد يعكس حب الأهالي والتزامهم بالعادات الدينية، ويجعل المسجد مركزاً للتواصل الاجتماعي والروحاني بين سكان شبين الكوم ومحيطها.
أعمال الترميم والحفاظ على الهوية الأصلية
وقال المهندس عيد السنوسي، المسؤول عن أعمال ترميم مسجد العباسي الأثري، إن المسجد خضع للترميم خلال السنوات الماضية، وأعيد افتتاحه هذا العام. موضحاً أن الترميم شمل كافة الأجزاء الداخلية والخارجية للمسجد، مع الحفاظ على الطابع المعماري الأصلي، والزخارف الدقيقة، والشرف والنقوش القديمة. وأضاف أن جميع الأبواب والزخارف والشرف وواجهة المسجد لم تتغير ملامحها، الأمر الذي جعل المسجد يحتفظ بسماته التاريخية والتراثية دون المساس بهويته الأصلية. كما يحظى المسجد باهتمام القائمين على صيانة الآثار، نظراً لقيمته الثقافية والتاريخية الفريدة.
شهادات من رواد المسجد عبر الأجيال
وأكد إسماعيل الغزولي، 70 عاماً، من رواد المسجد العباسي، أنه منذ طفولته اعتاد على الذهاب إلى المسجد لأداء واجب الصلاة فيه، مشيراً إلى أنه من الصعب عليه الذهاب إلى أي مسجد آخر، لتعلق قلبه الشديد به طوال حياته. وقال إنه منذ ولادته حتى اليوم، لم تتغير الطبيعة المعمارية الرائعة للمسجد، وما زالت تحافظ على طابعها الأصلي، الذي أذهله منذ الصغر، ويستشعر فيه روحانية المكان وعراقة التاريخ.
وعبّر عبدالستار شبل، 65 عاماً، من رواد المسجد العباسي، عن شعوره بفرحة وسعادة كبيرة عندما يذهب إلى المسجد لأداء الصلاة، مشيراً إلى أن الأجواء تزداد روحانية خاصة خلال شهر رمضان المبارك. حيث تتجمع العائلات والأهل والأحباب داخل المسجد، ويعم المكان شعور بالإيمان والتواصل الاجتماعي، ما يجعل كل زيارة تجربة روحية مليئة بالسكينة والطمأنينة، مما يعزز دور المسجد كرمز للوحدة والسلام في المجتمع.
