كتاب جديد يوثق فن التحطيب في جنوب مصر ويحفظ ذاكرة 239 لاعبًا من أعلامه
كتاب يوثق فن التحطيب في جنوب مصر ويحفظ ذاكرة 239 لاعبًا

كتاب جديد يسلط الضوء على فن التحطيب وأعلامه في جنوب مصر

أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن إصدارات سلسلة الثقافة الشعبية، كتابًا جديدًا بعنوان «التحطيب وأعلامه في جنوب مصر (1900-2025)» للكاتب بحبح فكري الحباظي. يأتي هذا الإصدار في إطار محاولة توثيقية موسعة لأحد أعرق الفنون الشعبية المصرية، الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية الثقافية في صعيد مصر، ويسجل حضورًا لافتًا في المناسبات الاجتماعية والاحتفالات الشعبية.

التحطيب: فن مسجل باليونسكو وجذور فرعونية

يُعد التحطيب ممارسة تقليدية متوارثة تجمع بين المهارة الجسدية والقيم الأخلاقية النبيلة، مثل الفروسية والاحترام والتنافس الشريف. وقد نجحت مصر في تسجيل هذا الفن ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو عام 2016، في اعتراف دولي بقيمته الثقافية والإنسانية، مما يؤكد مكانته كتعبير حي عن الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية.

يرصد الكتاب الجذور التاريخية العميقة للتحطيب، التي تعود إلى مصر القديمة، حيث ظهرت مناظره منقوشة على جدران المعابد والمقابر. ومن بين هذه النقوش ما يوجد في معبد الكرنك، الذي يُظهر تدريبات بالعصي، بالإضافة إلى مناظر أخرى في مقابر بني حسن وتونة الجبل. هذه الشواهد تؤكد أن التحطيب لم يكن مجرد لعبة ترفيهية، بل كان جزءًا من طقوس الاحتفالات الدينية والتدريب العسكري في آن واحد.

كما استمر حضور هذا الفن في العصور الإسلامية، حيث وثّقته مخطوطات مملوكية لألعاب الفروسية، مما يعكس استمرارية التحطيب عبر العصور المختلفة، ويبرز دوره كتراث حي لا يزال يحتفظ بأصالته.

قواعد أخلاقية وموسيقى مصاحبة

يؤكد المؤلف أن التحطيب لم يكن يومًا فعل عنف، بل هو ممارسة استعراضية تحكمها قواعد أخلاقية صارمة، تقوم على ضبط النفس واحترام الخصم والاعتزاز بالذات الجماعية. تعتمد اللعبة على المبارزة بالعصا الغليظة المعروفة بـ«الشومة»، في إطار طقسي تصاحبه الموسيقى الشعبية.

تطورت الموسيقى المصاحبة للتحطيب من الربابة إلى المزمار البلدي وفرق موسيقى التحطيب، لتصبح عنصرًا أساسيًا في جذب الجمهور وإضفاء البهجة على الحلقة، مما يزيد من تفاعل المشاهدين ويحافظ على الحيوية في هذه الممارسة التقليدية.

توثيق جغرافي وشامل لأعلام التحطيب

يتتبع الكتاب جغرافيًا مسار التحطيب في محافظات جنوب مصر الأربع: أسوان والأقصر وقنا وسوهاج، مستعرضًا أعلام اللعبة من الراحلين والمعاصرين والشباب والأطفال. استغرق هذا العمل الميداني سنوات من البحث والتنقل بين القرى والمراكز، مع الاعتماد على الروايات الشفوية لكبار السن ممن عاصروا بدايات انتشار اللعبة في صورتها الحديثة.

جاء الكتاب في أربعة أبواب، خصص كل باب لمحافظة، وقُسم إلى فصول تتناول اللاعبين الراحلين والمعاصرين بمختلف فئاتهم العمرية. وبلغ إجمالي عدد اللاعبين الذين وثقهم المؤلف 239 لاعبًا من أعلام التحطيب في جنوب مصر، رتبهم ترتيبًا زمنيًا من الأكبر سنًا إلى الأحدث، في محاولة لحفظ الذاكرة الشعبية من الضياع.

تنوع اجتماعي وإلهام في مواجهة التحديات

يلفت الحباظي إلى أن لاعبي التحطيب لا ينتمون إلى خلفية اجتماعية واحدة، بل يضم هذا الفن الشعبي أساتذة جامعات ونوابًا في البرلمان وأصحاب مناصب قيادية، إلى جانب نماذج ملهمة لتحدي الإعاقة. من بين هؤلاء اللاعبين، يوجد مصابون بأمراض مزمنة أو بإعاقات جسدية، واصلوا ممارسة اللعبة بنجاح، مما يبرز قوة الإرادة والإصرار في الحفاظ على التراث.

دعوة للاهتمام الرسمي والإعلامي

يختتم المؤلف بالتأكيد على أن هذا العمل لا يقوم على المحاباة أو العلاقات الشخصية، بل هو جهد توثيقي مفتوح لاستكمال رصد أعلام اللعبة مستقبلاً. كما يدعو إلى مزيد من الاهتمام الرسمي والإعلامي بالتحطيب، خاصة بعد إدراجه على قائمة التراث غير المادي، بوصفه فنًا فرعوني الجذور ما يزال نابضًا بالحياة في وجدان أبناء الجنوب.

بهذا الإصدار، تساهم الهيئة المصرية العامة للكتاب في حفظ وتوثيق تراث مهم، يعكس عمق الثقافة المصرية وثراءها، ويؤكد على أهمية الحفاظ على الفنون الشعبية كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية.