نزار قباني.. 28 عامًا على رحيل شاعر الحب والثورة
نزار قباني.. 28 عامًا على رحيل شاعر الحب والثورة

تمر اليوم، السبت، الذكرى الثامنة والعشرون لرحيل الشاعر السوري الكبير نزار قباني، الذي استطاع أن يحطم أسوار المعاجم ويفتح النوافذ العتيقة لتقفز منها مفردات اللغة مرتدية أثوابًا عصرية. لقد شكل نزار بمفرده خطًا شعريًا متفردًا، تلاشى كثيرون في ظلاله، وتاهوا على جانبي طريقه، بينما ضاعت ملامح قصائدهم الباهتة حين حاولوا مجاراته. فالأمة العربية لم تجتمع على شاعر بعد أمير الشعراء أحمد شوقي كما اجتمعت على نزار قباني.

مسيرة شاعر استثنائي

وُلِد نزار توفيق القباني في دمشق عام 1923، لعائلة دمشقية عريقة هي أسرة قباني. حصل على البكالوريا من مدرسة الكلية العلمية الوطنية بدمشق، ثم التحق بكلية الحقوق بالجامعة السورية وتخرج فيها عام 1945. بعد تخرجه، التحق بالعمل الدبلوماسي، وتنقل خلاله بين القاهرة، وأنقرة، ومدريد، وبكين، ولندن. وفي عام 1966، ترك نزار العمل الدبلوماسي وأسس في بيروت دارًا للنشر تحمل اسمه، وتفرغ للشعر.

اهتم نزار في بداية حياته بالرسم، ثم بالموسيقى والعزف، ولم يكن يدرك وقتها أنه سيمتهن الرسم بالكلمات، وأنه سيطرب أرواحنا بها. بدأ نزار كتابة الشعر وعمره 16 عامًا، وأصدر أول دواوينه "قالت لي السمراء" عام 1944، وكان طالبًا بكلية الحقوق، وطبعه على نفقته الخاصة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إرث شعري غني

لنزار عدد كبير من دواوين الشعر، تصل إلى 35 ديوانًا، كتبها على مدار ما يزيد على نصف قرن. وكان أهمها ديوان "قصائد من نزار قباني" الصادر عام 1956، حيث يعد نقطة تحول في شعر نزار. كان نزار يكتب للشعر والقصيدة فقط، ولم يكن في حسبانه أن يشدو بكلماته نجوم الطرب العربي. كانت البداية مع قصيدة "أيظن" عام 1960، التي غنتها نجاة الصغيرة، وفتحت الباب على مصراعيه أمام أشعار نزار لتقفز من الديوان المقروء إلى الديوان المسموع.

تغنت بأشعاره أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وفيروز، وفايزة أحمد، وماجدة الرومي، وكاظم الساهر، وآخرون. ومن هذه القصائد: "قارئة الفنجان"، "رسالة من تحت الماء"، "طريق واحد"، "لا تسألوني"، "زيديني عشقًا"، "الحب المستحيل"، "أشهد"، "طوق الياسمين" وغيرها.

حياة شخصية ومأساة

تزوج نزار بعد سنوات من انتسابه إلى السلك الدبلوماسي السوري من إحدى قريباته، السيدة "زهراء أقبيق"، وأنجب منها توفيق وهدباء. ثم تزوج من السيدة بلقيس الراوي، التي التقى بها في أمسية شعرية في بغداد، وأنجب منها زينب وعمر. كان ينعم معها بحب عميق لا تشوبه شائبة، حتى فقدها في حادث انفجار السفارة العراقية في بيروت، الأمر الذي ترك به أثرًا نفسيًا سيئًا، حيث نعاها بقصيدة رائعة تحمل اسمها.

إشادات الأدباء

مدح عمالقة الأدب العربي نزار قباني. قال عنه الأديب المصري نجيب محفوظ: "إنه شاعر وهب حياته لمعشوقتين؛ المرأة والقومية العربية، وكتب فيهما أجمل الأشعار التي وصلت إلى قلوب الجماهير."

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

رحيله

في 30 أبريل عام 1998، رحل عن عالمنا الشاعر الكبير نزار قباني عن عمر يناهز 75 عامًا، قضى منها أكثر من 50 عامًا في الحب والسياسة والثورة. لكن أبى جسده إلا أن يرقد في حضن أمه (دمشق) التي شكلت وجدان الشاعر نزار قباني.

نزار قباني ومصر

جاء الشاعر السوري الراحل نزار قباني إلى مصر سنة 1945، وكان عمره 22 عامًا. عندما غادرها بعد ثلاث سنوات، لم يكن يعلم أنه ارتبط بها حتى آخر لحظة في عمره. فيها دشن شاعريته ورحلته كمثقف، وبجوار نيلها دارت معاركه الفكرية والشعرية. في مصر، وبعد رحيله، صار شعر نزار يُغنّى على كل لسان.

بعد عام 1948، غادر نزار القاهرة بجسده فقط، وبقيت القاهرة معه يحملها في حقائبه أينما رحل وأينما حل. لم ينقطع عن زيارتها، وكان أصدقاؤه على تواصل دائم معه. فيها عاش وعشق واقترن، وإليها يعود كما يعود الطائر المسافر.

في القاهرة، شغل وظيفة ملحق في السفارة السورية، وكان متابعًا لحالة الحراك الاجتماعي التي تعيشها مصر. وفي القاهرة أصدر أهم دواوينه "طفولة نهد" الذي حمله على جناح الشهرة. فيها أصبحت قصائده أنشودة يتغنّى بها كل لسان، كما جرب أن يكون ممثلًا، وأن يكون شاعرًا مشهورًا تُطبع دواوينه طبعات شعبية يشتريها الأولاد والبنات بقروش قليلة.