في ليلة بطول الزمان عمرًا، سقطت غرناطة عام 1492 ميلادية، آخر معاقل العرب والمسلمين في الأندلس، ليكون سقوطها إيذانًا بضياع دولة الإسلام هناك. وكم من الفرص الضائعة التي أدت إلى سقوط الأمجاد، ولو أن غرناطة التفتت إلى رثاء أبي البقاء الرندي، الذي بكى سقوط قرطبة في معركة العقاب عام 1236 ميلادية، وما سبقها من مدن أندلسية، لاتعظت قبل فوات الأوان.
صرخة الرندي المدوية
كان رثاء الرندي صرخة مدوية لأهل الأندلس، خاصة غرناطة وما حولها من مدن لم تسقط بعد، داعيًا إياهم إلى أخذ العبرة والدرس. لكن غرناطة لم تفعل، وهكذا يدرك المفكرون في كل عصر الخطر قبل وقوعه، حين ينطلق الشعراء والأدباء مصورين النهاية المتوقعة بحسرة بالغة. ومن أبرزهم أبو البقاء الرندي الأندلسي (1204-1285 ميلادية)، الذي عاصر ذروة الفتن والاضطرابات في الأندلس.
نونية الرندي: دعوة للجهاد والتوحد
قصيدته الشهيرة (لكل شيء إذا ما تم نقصان)، والمعروفة بالنونية، كانت بمثابة دعوة للأندلسيين واستنفار للجهاد، وحث على التوحد والتعاضد بعد سقوط مدن مثل بلنسية ومرسية وشاطبة وجيان وقرطبة. وكأنها تحاكينا اليوم لاستلهام العبرة والدرس من أهل الأندلس، كي نتوحد نحن العرب ونكون على أعلى درجات الحيطة والحذر، فبيننا من بني جلدتنا من هم للخارج منتمون، ومن هم للأعداء مطمئنون.
أبيات من النونية الخالدة
يقول الرندي في قصيدته:
لكل شيء إذا ما تم نقصان...... فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسان
هي الأيام كما شاهدتها دول....... من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد........ ولا يدوم على حال لها شان
ثم يتساءل: أين الملوك ذوو التيجان من يمن........ وأين منهم أكاليل وتيجان؟
وأين ما شاده شداد في إرم.... وأين ما ساسه في الفرس ساسان؟
أتى على الكل أمر لا مرد له....... حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
رثاء المدن الأندلسية
ويسأل: فاسأل (بلنسية) ما شأن (مرسية).... وأين (شاطبة) أم أين (جيان)؟
وأين (قرطبة) دار العلوم فكم...... من عالم قد سما فيها له شان
قواعد كن أركان البلاد فما........ عسى البقاء إذا لم تبق أركان
ويصور حال المسلمين بعد السقوط: تبكي الحنيفية البيضاء من أسف..... كما بكت لرسول الله أجفان
على ديار من الإسلام خالية........ قد أقفرت ولها بالكفر عمران
صارت كنائس قد طال الضلال بها.... فليس إلا نواقيس وصلبان
دعوة للعبرة والوحدة
ويختم الشاعر: يا غافلًا وله في الدهر موعظة...... إن كنت في سنة فالدهر يقظان
وماشيًا مرحًا يلهيه موطنه......... أبعد (حمص) تغر المرء أوطان !!!؟
تلك المصيبة أنست ما تقدمها..... وما لها من طوال الدهر نسيان
ثم ينادي: يا راكبين عتاق الخيل ضامرة...... كأنها في مجال السبق عقبان
أعندكم نبأ من أهل أندلس... فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم. قتلى وأسرى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم...... وأنتم يا عباد الله إخوان
تحذير من مصير الأندلس
وها قد غفلت الأندلس ولم تأخذ بصرخة أبي البقاء الرندي، فهلا أخذنا بها نحن اليوم، عسانا ننجو من مصير أندلس الأمس. فهذه أروع قصائد الرثاء في الشعر العربي، نونية الرندي (لكل شيء إذا ما تم نقصان)، التي تحمل دروسًا وعبرًا لكل عربي ومسلم.
ما أروعها قصائد الرثاء، وهكذا يفعل المفكرون والأدباء والشعراء في كل عصر، حين يصوبون إبداعهم ناحية قضايا أمتهم، تحذيرًا وتنبيهًا وشحذًا للهمم. اللهم بارك أمتنا العربية، ووحد كلمتها، وادفع السوء عنها، وجنبها الفتن، وخذ بيدها لسبيل النهوض.



