أسبلة الرحمة: عمارة خيرية جمعت بين سقيا الماء ونشر العلم في القاهرة
أسبلة الرحمة: عمارة خيرية جمعت بين الماء والعلم

أسبلة الرحمة: عمارة خيرية جمعت بين سقيا الماء ونشر العلم في القاهرة

القاهرة القديمة هي متحف مفتوح يحفل بعجائب الآثار التي جادت بها قريحة المعماريين والفنانين والصناع على مدى قرون طويلة، تاركين فيها بصماتهم المعمارية والفنية على ملامح المدينة ذات الألف عام والألف وجه. والمتأمل لمنتجات العمارة القاهرية يجدها تتنوع وتتشكل بين العمارة الجنائزية التي أنتجت القباب الضريحية، والعمارة الدينية وما أنتجت من مساجد وجوامع، والعمارة العسكرية وما قدمت من أسوار وقلاع وتحصينات. أما العمارة الخيرية فكانت الأكثر تأثيراً في حياة الناس، بل والأكثر استخداماً، إذ امتدت استفادة الناس منها حتى زمن قريب.

الأسبلة: جوهرة العمارة الخيرية

كانت الأسبلة أبرز ما نتج عن العمارة الخيرية. والأسبلة كلمة مفردها سبيل، وفي اللغة العربية «سبَّل» أي يسَّر وسهَّل، إذن السبيل هو المؤسسة المنوط بها تسهيل وصول الماء العذب إلى الناس بلا مقابل، كوجه من وجوه البر والخير الذي تسابق إليه سلاطين وأمراء وأثرياء مصر طيلة العصور المملوكية والعثمانية وحتى عصر أسرة محمد علي. لم يكن السبيل مجرد خزان ماء يُقام على قارعة الطريق، بل كان منشأةً معمارية متكاملة اجتمع فيها الجمال والوظيفة في آنٍ واحد. كانت هذه المنشآت مرتبطةً بالصدقة الجارية، حيث حرص الحكام والأمراء على توفير مياه الشرب بلا مقابل للمارة، وكثيراً ما أُلحق بها كُتّاب لتعليم الأطفال، فجمع مبنى واحد بين سقيا الماء ونشر العلم. وكان ذلك الجمع بين الأثرين تجسيداً لفلسفة حضارية عميقة مفادها أن ارتواء العقل من العلم لا يقل أهمية عن ارتواء الجسد من الماء.

نظام دقيق لإدارة الأسبلة

فرض موقع القاهرة القديمة البعيد نسبياً عن مجرى نهر النيل تحدياً كبيراً، استدعى بدوره إنشاء شبكة مترابطة من الأسبلة لتوفير الماء الصالح للشرب. وقد بُنيت الأسبلة وأُديرت وفق نظام دقيق؛ إذ كان عند اقتراب موسم الفيضان يُنظَّف صهريج كل سبيل ليكون على أهبة الاستعداد لاستقبال الماء الذي يملأه ليروي ظمأ المارة طيلة عام كامل. واستلزم الأمر أخذ عينات من ماء النيل للتأكد من خلوِّها من أي شوائب أو ملوثات ظاهرة، ثم تحديد نقاط بعينها يُوجّه إليها السقاؤون ليملأوا قِرَبهم ويفرغوها في الأسبلة. وطبقاً لسعة كل سبيل تُحدَّد الكمية اليومية المقدَّمة بنظام محكم يكفل أن تكفي المياه طيلة العام. ويتكفل بتقديم الماء للمارة شابٌّ في مقتبل العمر يُجرى اختياره بدقة، شريطة أن يكون صحيح البدن خالياً من العلل، حلو اللسان، لطيف المعشر. وهي اشتراطات وضعها شيوخ طائفة السقائين لضمان جودة الخدمة المقدَّمة، إذ أدرك هؤلاء أن الماء وحده لا يروي، وأن طريقة تقديمه جزء لا يتجزأ من الكرم. أما «السقا» الذي يتردد على المنازل حاملاً قربته يومياً، ففرض شيوخ الطائفة أن يكون حسن السيرة والسمعة ليحفظ حرمة البيوت التي يتردد عليها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إضافات عطرية وخدمة نسائية

وكانت المياه المقدَّمة في الأسبلة تُمزج دائماً بمواد عطرية كالعنبر وماء الورد والزهر، للقضاء على أي عطن قد يلحق الماء جراء التخزين السنوي، فضلاً عن أنها كانت تضفي على المياه حلاوة العطر فتنعش الشاربين. وقد عرفت مصر الأسبلة النسائية طوال التاريخ المملوكي والعثماني والعلوي؛ ففي العصر المملوكي كان هناك سبيل «نفيسة البيضاء»، وفي العصر العثماني سبيل «رقية دودو»، وفي عصر الأسرة العلوية سبيل «أم عباس» والدة الوالي عباس حلمي الأول عام 1867، إلى جانب سبيل «أم حسين بك» عام 1869. وفي ذلك دلالة بالغة على أن ثقافة العطاء لم تكن حكراً على الرجال، بل شاركت فيها النساء بكرم لا يقل عن كرم الرجال.

نهاية الأسبلة: من الخدمة إلى الأثر التاريخي

لكل حضارة أدواتها، ولكل أداة أجلها المقدور. لم تكن نهاية الأسبلة هزيمةً لفكرة الخير، بل كانت ثمرةً للتحديث الذي اجتاح مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فمع توسع المدينة وتضخُّم عدد سكانها، ومع دخول مفاهيم النظافة العامة والصحة الحضرية التي أقلقتها موجات وباء الكوليرا المتكررة التي فتكت بمصر والقاهرة بصورة دورية، بات النظام القديم القائم على السقائين والقِرَب عاجزاً عن الوفاء بالحاجة المتنامية. جاء التحول الكبير حين شرعت مصر في إنشاء شبكات مياه نظامية حديثة تضخ الماء مباشرةً إلى البيوت والأحياء عبر أنابيب ممتدة أشرفت عليها شركة إيطالية متخصصة عرفها المصريون بالكوبانية، وكان ذلك إيذاناً بنهاية منظومة الأسبلة بوصفها مصدراً للماء. فحين صار الماء يأتي إلى الإنسان بدلاً من أن يسعى إليه، لم تعد ثمة ضرورة وظيفية تُبقي الأسبلة في الخدمة، فجعل مرور الزمن وتغير العادات والطبائع كثيراً منها ينتقل من كونه جزءاً فاعلاً في حياة الناس إلى أثرٍ في صفحات التاريخ.