عيد مصري بطابع عالمي.. احتفالات دينية تتحول لذاكرة شعبية
عيد مصري بطابع عالمي.. احتفالات دينية لذاكرة شعبية

لا تقتصر ذكرى دخول العائلة المقدسة إلى مصر على كونها مناسبة دينية تحتفل بها الكنيسة القبطية سنوياً، بل تحولت عبر القرون إلى جزء من الذاكرة الشعبية والتراث المصري، حيث امتزجت الطقوس الكنسية بالموروثات الشعبية التي ارتبطت بالمواقع التي زارتها العائلة المقدسة خلال رحلتها في أرض مصر.

تراث مادي وغير مادي

تتمتع مصر بتراث مادي وغير مادي فريد يرتبط بهذه الرحلة التاريخية، فإلى جانب عشرات الكنائس والأديرة والمزارات المنتشرة على طول مسار العائلة المقدسة والذي يمتد لآلاف الكيلومترات ذهاباً وعودة، حافظ المصريون على مجموعة من الاحتفالات والعادات الشعبية المرتبطة بهذه الذكرى، لتصبح جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية والدينية للمجتمع المصري، وتُسجله على قوائم التراث غير المادي لليونسكو، بعد جهود دامت لسنوات عدة نجحت مصر في تسجيل الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة.

إحياء الاحتفالات

حرصت الكنيسة القبطية والأقباط على إحياء الاحتفالات الخاصة بذكرى رحلة العائلة المقدسة في أرض مصر، والتي اعتاد الشعب القبطي على إقامتها في النقاط التي عاشت فيها العائلة المقدسة في المحافظات المصرية المختلفة. وهناك أيضاً أكلات معينة مرتبطة بهذه الاحتفالات والمواسم، والتي من خلالها يحافظ المصريون على تراثهم الشعبي وهويتهم المصرية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تصريحات الدكتور مصطفى جاد

قال الدكتور مصطفى جاد، العميد الأسبق للمعهد العالي للفنون الشعبية وخبير التراث اللامادي باليونسكو، إن هذه الاحتفالات تتضمن عشرات الممارسات الشعبية والروايات حول الرحلة، مثل الأغاني المرتبطة بتعميد الأطفال، والتبرك بالآبار المقدسة في المسار، والحكايات حول شجرة مريم، والرسومات والأيقونات المميزة للرحلة. وقد حرص المصريون في هذه الاحتفالات على إعادة تمثيل هيئة العائلة المقدسة، وعمل ما يشبه الزفة الشعبية لها من جميع الطوائف.

وأضاف أن هذه الاحتفالات ترتبط تاريخياً بقصة هروب العائلة المقدسة (السيد المسيح - العذراء مريم - يوسف النجار) من أرض فلسطين إلى مصر، حيث انتقلت من شمال سيناء إلى الدلتا المصرية ثم وادي النطرون ثم القاهرة ثم جنوب مصر حتى أسيوط، ثم العودة إلى فلسطين. وهذه الأماكن التي مرت بها العائلة المقدسة تمثل حتى الآن تراثاً ثقافياً مهماً يُقام فيها احتفالات شعبية بمشاركة جميع فئات الشعب وأكثرهم من أقباط مصر، حيث تأسس في كل مكان مرت به العائلة المقدسة كنيسة أو دير أو بئر ماء تُمارس حولها تلك الاحتفالات، والتي تتخذ هذه الأشكال الثلاثة احتفالات ذكرى قدوم العائلة المقدسة في أول يونيو من كل عام.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

أبرز الاحتفالات

من أبرز الاحتفالات التي تُقام بهذه المناسبة ما تشهده كنائس زويلة الأثرية بمنطقة الجمالية في القاهرة، حيث تقيم سنوياً احتفالية بحضور قيادات كنسية ومحافظ القاهرة، وكبار المسؤولين بوزارة السياحة والآثار ولفيف من الآباء الأساقفة والكهنة وأعضاء مجلس النواب والشخصيات العامة والإعلاميين والصحفيين. تأتي الاحتفالية في إطار خطة الدولة لإحياء مسار العائلة المقدسة، وتأكيد المجمع المقدس على أهمية الاحتفال بذكرى دخول السيد المسيح أرض مصر، والتي تُعرف باسم "اليوم القبطي العالمي"، وهي المناسبة التي تحرص الكنيسة القبطية على الاحتفال بها سنوياً منذ أكثر من عشرين عاماً، لما تمثله من قيمة روحية وتاريخية في وجدان الأقباط.

وفي منطقة المعادي، حيث عبرت العائلة المقدسة نهر النيل متجهة إلى صعيد مصر، يُقام واحد من أشهر الاحتفالات المرتبطة بالرحلة. تبدأ الفعاليات بصلوات دينية واحتفالات شعبية على ضفاف النيل، ومن ضمن فعاليات هذا الاحتفال الذي استمر أكثر من أربعين عاماً، حركة المراكب في النيل وهي تحمل الأساقفة الأجلاء والشمامسة مرنمين ومسبحين بالألحان القبطية، وهم يحملون معهم في جولتهم النيلية الصندوق الذي يحوي نسخة الكتاب المقدس الذي وُجد مفتوحاً على الماء على سفر إشعياء الإصحاح 19 الذي ترد فيه الآية "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْر"، وكذلك أيقونة العائلة المقدسة بالكنيسة. وهناك مركب آخر يحمل أفراداً يُجسدون شخصيات العائلة المقدسة (القديس يوسف النجار والعذراء مريم والطفل يسوع)، وذلك في مشهد تمثيلي لإحياء ذكرى قدوم العائلة المقدسة لهذا المكان وتحركها في النيل متجهة إلى صعيد مصر. وهذا الاحتفال الفلكلوري تتبعه طقوس دينية من صلوات العشية على المذبح الخارجي الذي يقع فوق السلم الأثري المؤدي إلى نهر النيل، فيما يقف آلاف الأقباط من كل محافظات مصر، مستمتعين بهذا الحدث المبارك على ضفاف النيل، ويتباركون بهذه الذكرى العطرة. وفي اليوم التالي يُقام قداس عيد دخول العائلة المقدسة أرض مصر.

احتفالات في المنيا وأسيوط

وفي محافظة المنيا، وتحديداً بقرية دير أبو حنس، يحرص الأهالي على إحياء ذكرى دخول العائلة المقدسة من خلال مواكب شعبية ودينية تمتد من ضفاف النيل حتى جبل أنصنا. ويشارك في هذه المواكب رجال الإكليروس والشمامسة، حاملين الأيقونات والصلبان وسط الترانيم والألحان الكنسية، فيما تُبحر المراكب الشراعية المزينة بصور العائلة المقدسة في النيل، لتُشكل مشهداً احتفالياً مميزاً. كما تتضمن الاحتفالات عروضاً تمثيلية تُجسد أحداث الميلاد ورحلة العائلة المقدسة، إضافة إلى فقرات للترانيم والمسرح الكنسي التي تحظى بإقبال واسع من أبناء المنطقة والزائرين.

بعد عالمي

ولا تتوقف مظاهر الاحتفاء بالعائلة المقدسة عند حدود الاحتفالات المحلية، إذ تمتد إلى بُعد عالمي يُجسد مكانة مصر في وجدان المسيحيين حول العالم. ويبرز ذلك بوضوح في دير المحرق بجبل قسقام في محافظة أسيوط، والذي يُعد من أهم محطات رحلة العائلة المقدسة، حيث أقامت فيه فترة طويلة، وفقاً للتاريخ الكنسي. ويحتفظ الدير بمكانة خاصة لدى المسيحيين الإثيوبيين "الأحباش"، الذين يعتبرون جبل قسقام بمثابة "أورشليم الثانية". وعلى مدار قرون طويلة، يذهب الرهبان والحجاج الأحباش إلى الدير للتبرك بالمكان الذي عاش فيه السيد المسيح طفلاً مع أسرته. وحتى اليوم، يواصل الأحباش إحياء هذه العلاقة التاريخية من خلال احتفال سنوي يُقام في دير المحرق، حيث يتوافد مئات الزوار من إثيوبيا ومن مختلف المحافظات المصرية للمشاركة في الصلوات والتراتيل التي تؤدى بالطريقة الحبشية، وسط مواكب تحمل الأيقونات والشموع في أجواء تعكس الطابع العالمي لمسار العائلة المقدسة.

كما يشهد دير السيدة العذراء بدرنكة في أسيوط واحداً من أكبر التجمعات الدينية المرتبطة بالعذراء مريم، حيث يتوافد آلاف الزائرين من داخل مصر وخارجها للمشاركة في الصلوات والاحتفالات التي تقام داخل الدير التاريخي الواقع أعلى الجبل الغربي.