مكتبة الإسكندرية: صرح خالد لكنوز المعرفة عبر العصور
مكتبة الإسكندرية: صرح خالد لكنوز المعرفة

في قلب مدينة الإسكندرية العريقة، حيث تلتقي أمواج البحر المتوسط بأحلام الإنسانية الكبرى، يقف صرح شامخ شهد عبر العصور أن المعرفة أقوى من السيوف وأبقى من الممالك. مكتبة الإسكندرية، الاسم وحده كافٍ لإثارة صور الكتب المتراصة والعلماء الحالمين، وشعلة فكرية أضاءت العالم القديم وما زالت تتوهج حتى اللحظة.

النشأة والتأسيس

لم تكن مكتبة الإسكندرية القديمة مجرد مستودع للكتب، بل كانت مشروعًا حضاريًا طموحًا ولد في رحم إمبراطورية الإسكندر الأكبر، وترعرع في كنف خلفائه البطالمة. يعود الفضل في تأسيسها إلى بطليموس الأول سوتير، الذي حكم مصر بعد وفاة الإسكندر، إذ رأى في الإسكندرية - المدينة التي أسسها قائده العبقري عام 331 قبل الميلاد - منارة للتجارة والعلم والفلسفة والفنون. استدعى بطليموس الأول العالم الأثيني ديميتريوس الفاليروسي، تلميذ أرسطو، لوضع الأسس الفكرية لمشروع استثنائي: جمع كل كتاب كُتب على وجه الأرض في مكان واحد. ارتبط التأسيس الرسمي للمكتبة بـ"الموسيون"، المعهد العلمي الكبير المخصص للملهمات التسع في الميثولوجيا الإغريقية، والذي أُنشئ في عهد بطليموس الثاني فيلادلفوس حوالي عام 288 قبل الميلاد.

أُمر كل ربّان سفينة يرسو في ميناء الإسكندرية بتسليم ما على متنه من كتب لتُنسخ، وتُعاد إليه النسخة بدلًا من الأصل.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

كنوز المعرفة

اتسعت المكتبة في عهودها الذهبية لتحتضن ما يتراوح بين أربعمائة ألف وسبعمائة ألف لفافة بردية، وفق تقديرات المؤرخين المتباينة. كانت تضم مؤلفات أرسطو وأفلاطون وأقليدس وأرخميدس وأبقراط، فضلًا عن ترجمات للنصوص المصرية القديمة والبابلية والعبرية والفارسية. احتضنت المكتبة كبار علماء العصر القديم، أمثال إراتوستينيس الذي أجرى من رحابها حساباته الدقيقة لمحيط الأرض. لم تكن المكتبة مجرد أرفف تزدحم بالمخطوطات، بل كانت جامعة حقيقية تعج بالباحثين والمترجمين والمحررين، وكانت تموَّل بسخاء ملكي لا مثيل له في التاريخ القديم.

الزوال والحريق

لا يكاد ذكر مكتبة الإسكندرية يخلو من سؤال: كيف اندثرت؟ ومن أحرقها؟ الحقيقة التاريخية أكثر تعقيدًا ومأساوية من روايات الحريق الواحد. تعرضت المكتبة لضربات متعاقبة على مدى قرون. الرواية الأولى تحيل إلى يوليوس قيصر عام 48 قبل الميلاد، حين أُضرمت النيران في السفن الراسية بالميناء فامتدت إلى مستودعات الكتب القريبة. ثم جاءت ضربة ثانية حين أمر الإمبراطور أوريليانوس بهدم الحيّ الملكي حوالي عام 272 ميلادية. بحلول القرن الرابع الميلادي، تقلصت المكتبة كثيرًا في ظل التوترات بين الحضارات المتعاقبة. أما الفتح العربي لمصر عام 642 ميلادية، فنُسبت إليه روايات لا تثبتها المصادر التاريخية الرصينة. الحقيقة المرة هي أن المكتبة لم تمت بضربة واحدة، بل تآكلت ببطء تحت وطأة الإهمال وتقلص التمويل والصراعات السياسية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

إحياء المكتبة

في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أعلنت مصر عن طموح فريد لإعادة بناء مكتبة الإسكندرية. شاركت منظمة اليونسكو ودول عديدة في تمويل المشروع، وفاز بمسابقة التصميم المعماري الدولية مكتب "سنوهيتّا" النرويجي الدنماركي بتصميم مذهل يحاكي شكل قرص الشمس المائل نحو البحر. في أكتوبر 2002، انفتحت أبواب المكتبة الجديدة أمام العالم. يمتد المبنى على مساحة تتجاوز 85 ألف متر مربع، ويمكنه استيعاب ما يصل إلى ثمانية ملايين كتاب. يضم إلى جانب المكتبة الرئيسية عدة مكتبات متخصصة للأطفال والمكفوفين والطلاب، فضلًا عن أربعة متاحف وأربع صالات عرض فنية وعشرين مركزًا بحثيًا ومسرحًا للأفلاك. واجهة المكتبة الخارجية جدار ضخم من الجرانيت الأسوداني منقوش عليه أكثر من مئة وعشرين لغة وكتابة من تراث الإنسانية.

المكتبة الجديدة ليست مجرد إعادة بناء لما اندثر، بل هي تأكيد على أن الحضارة الإنسانية تأبى الاستسلام للنسيان.

المكتبة اليوم

تستقبل مكتبة الإسكندرية الجديدة سنويًا مئات الآلاف من الزوار والباحثين من مختلف أنحاء العالم. تتجاوز وظيفتها كونها دار كتب، إذ تنظّم مؤتمرات دولية ومعارض فنية وندوات علمية وبرامج للأطفال والشباب. كما تضطلع بمهمة رقمنة التراث من خلال مشاريع لتحويل آلاف المخطوطات والوثائق النادرة إلى صيغ رقمية متاحة للجميع عبر الإنترنت. تحتضن المكتبة مركز الإنترنت الأرشيفي في الشرق الأوسط، ومشروع "ذاكرة العالم" بالشراكة مع اليونسكو، ومبادرات لصون اللغات والثقافات المهددة بالانقراض. تظل مكتبة الإسكندرية شاهدة حية على أن المعرفة الإنسانية إرث مشترك تتوارثه البشرية جمعاء.