قصة القميص السحري.. رحلة من إيران إلى متحف الفن الإسلامي
في قاعة الطب بمتحف الفن الإسلامي بمنطقة باب الخلق، تتدلى خلف واجهة زجاجية قطعة قطنية بيضاء تبدو عادية للوهلة الأولى. إنه قميص طويل بسيط الخياطة، لا يحمل زخارف فاخرة ولا تطريزًا لافتًا. لكن الاقتراب منه يكشف عالماً مختلفاً تماماً.
تمتلئ مساحة القماش بكتابات دقيقة بالمدادين الأسود والأحمر: آيات قرآنية، وأسماء الله الحسنى، وجداول رقمية ومربعات متشابكة تغطي القميص من أعلاه إلى أسفله. تبدو القطعة وكأنها مخطوط كُتب على قماش بدلاً من الورق.
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه ليس القميص نفسه، بل العبارة المثبتة إلى جواره على بطاقة العرض: «هذا الاعتقاد يخالف نصوص الشرع الحنيف». هنا تبدأ الحكاية.
من إيران إلى القاهرة
يرجع القميص إلى العصر الصفوي في إيران، ويُعد واحداً من أندر النماذج المعروفة لما يُعرف بالقمصان التعويذية في العالم الإسلامي. وتشير سجلات الاقتناء بالمتحف إلى أن القطعة دخلت مجموعته خلال النصف الأول من القرن العشرين، بعد شرائها من شخص يدعى مصطفى شمس الدين مقابل خمسة جنيهات مصرية فقط، وهو مبلغ يبدو ضئيلاً مقارنة بقيمته التاريخية والأثرية اليوم.
ومع مرور العقود، تحولت القطعة من مجرد مقتنى أثري إلى شاهد نادر على جانب معقد من تاريخ المجتمعات الإسلامية؛ جانب امتزجت فيه المعتقدات الشعبية بالدين والطب والحرب والخوف الإنساني من المجهول.
قميص للحماية لا للزينة
لم تُصنع هذه القمصان للعرض في المتاحف، ولم تكن جزءاً من أزياء الحياة اليومية. فقد ارتبطت بوظيفة مختلفة تماماً. كان أصحابها يعتقدون أنها تمنح الحماية من الأخطار والأمراض والحسد والإصابات، لذلك ارتداها بعض المحاربين تحت الدروع أثناء المعارك، كما احتفظ بها آخرون طلباً للبركة أو اتقاءً للمخاوف التي لم يجدوا لها تفسيراً.
وتنتشر على القميص آيات قرآنية وأدعية وأسماء إلهية، إلى جانب جداول رقمية تُعرف في التراث الإسلامي بالأوفاق أو المربعات العددية. وقد استندت هذه الممارسات إلى ما عُرف تاريخياً بعلم الحروف والأعداد، وهو علم ازدهر في بعض الفترات التاريخية وارتبط بمحاولات فهم العلاقة بين الأرقام والحروف والكون.
وبغض النظر عن الموقف من هذه المعتقدات، فإن القميص يكشف عن جانب من تاريخ الإنسان أكثر مما يكشف عن تاريخ السحر أو التمائم؛ فهو يوثق رغبة قديمة في البحث عن الأمان وسط عالم مليء بالمخاطر.
بين الإيمان والمعتقد الشعبي
لم يكن الجدل حول التمائم والتعاويذ جديداً في التاريخ الإسلامي، بل استمر قروناً طويلة. فبينما رفض عدد من العلماء هذه الممارسات وعدّوها مخالفة للعقيدة الصحيحة، ميّز آخرون بين ما يتضمن نصوصاً قرآنية وأدعية مفهومة، وبين ما يحتوي على طلاسم ورموز غامضة.
ويقع هذا القميص في منطقة شديدة الحساسية بين الطرفين؛ فهو يحمل نصوصاً دينية واضحة يمكن قراءتها، لكنه يضم كذلك عناصر مرتبطة بممارسات روحية وشعبية أثارت جدلاً واسعاً عبر العصور. ورغم هذا الجدل، استمرت صناعة هذه القمصان في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي لقرون طويلة، ما يشير إلى حضورها في الوعي الشعبي، وإلى أن الحاجة إلى الشعور بالحماية كانت أقوى أحياناً من الخلافات الفقهية حول مشروعيتها.
بطاقة عرض غير مألوفة
ما يجعل هذه القطعة مختلفة عن كثير من المعروضات الأثرية الأخرى ليس عمرها أو ندرتها فقط، بل طريقة تقديمها للجمهور. فعادة ما تكتفي المتاحف بعرض المعلومات التاريخية الخاصة بالقطعة: تاريخها، ومصدرها، ووظيفتها، والمواد المصنوعة منها. أما هنا، فإن بطاقة العرض تضيف موقفاً واضحاً من الاعتقاد المرتبط بالقميص.
لهذا يتوقف كثير من الزوار أمام العبارة المكتوبة أكثر مما يتوقفون أمام القماش نفسه. فالقميص محفوظ داخل أحد أهم المتاحف الإسلامية في العالم، ويحظى بعناية المختصين وجهود الترميم والحفظ، وفي الوقت نفسه تحمل بطاقة عرضه تنبيهاً يرفض الفكرة التي صُنع من أجلها أساساً. وتكشف هذه المفارقة عن التحدي الذي تواجهه المؤسسات المتحفية حين تتعامل مع موروث تاريخي لا يمكن إنكار وجوده، حتى وإن اختلفت الرؤى المعاصرة تجاهه.
أثر يروي قصة الخوف الإنساني
بعد أكثر من ثلاثة قرون على صناعته، لا نعرف اسم الرجل الذي كتب هذه الآيات والجداول على القماش، ولا نعرف على وجه اليقين من ارتداه أو ما الذي كان يخشاه. لكن ما نعرفه أن القميص عبر الزمن والحدود حتى استقر خلف زجاج إحدى قاعات متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، محتفظاً بقدرته على إثارة الأسئلة.
فهو ليس مجرد قطعة نسيج قديمة، ولا مجرد نموذج نادر لفن إسلامي مميز، بل وثيقة تحكي عن علاقة الإنسان بالخوف، وعن محاولاته المستمرة للبحث عن الطمأنينة والحماية، مهما اختلفت الأزمنة والوسائل والمعتقدات. وربما لهذا السبب لا يتوقف الزوار أمام القميص لقراءة تاريخه فقط، بل للتأمل في الحكاية التي يحملها. حكاية قطعة قماش كُتبت عليها آيات وأرقام قبل ثلاثة قرون، وما زالت حتى اليوم قادرة على إثارة الجدل نفسه، وطرح السؤال ذاته: كيف كان الإنسان يواجه خوفه عندما لم يكن يملك سوى ما يؤمن به؟



