إصدار جديد يسلط الضوء على التراث الشعبي الليبي عبر كتاب 'براكيوم في الثقافة الشعبية الليبية'
في خطوة ثقافية مهمة، صدر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة 'الثقافة الشعبية'، كتاب بعنوان 'براكيوم في الثقافة الشعبية الليبية' للباحثة الليبية فاطمة غندور. هذا العمل يهدف إلى توثيق جانب حيوي من التراث الشعبي الليبي، مع إبراز تنوعه وثرائه في سياقاته الجغرافية والتاريخية والإنسانية، مما يجعله إضافة قيمة للمكتبة العربية.
استكشاف التراث الشفاهي والمادي في ليبيا
يتضمن الكتاب دراسات متعمقة تتناول ملامح التراث الشفاهي والمادي في ليبيا، حيث يستعرض تأثير التنوع البيئي بين الساحل والجبال والواحات والصحراء على أنماط العيش والمعتقدات والعادات. كما يركز على تعدد المكونات السكانية، مثل الطوارق والتبو والأمازيغ واليهود، ويوضح كيف ترك هذا التنوع بصمات واضحة على اللهجات والممارسات الاجتماعية والمنتجات الثقافية، مع الحفاظ على عناصر مشتركة ضمن النسيج الوطني العام.
ويؤكد العمل أن الخصوصية الثقافية تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية، من مفردات اللغة إلى أنماط الغذاء واللباس، متأثرةً بعوامل مثل حركات الهجرة واللجوء والمصاهرة وتجارة القوافل. كما يسلط الضوء على الروابط الأنثروبولوجية مع دول الجوار، بما في ذلك مصر والسودان وتونس والجزائر وتشاد والنيجر، مما يظهر التفاعل الثقافي الإقليمي.
تأثير الحقب التاريخية على التراث الليبي
يرصد الكتاب أثر الحقب التاريخية المتعاقبة على ليبيا، بدءًا من العصور الفينيقية والإغريقية والرومانية، مرورًا بالعهد العثماني والفتح الإسلامي وهجرة بني هلال وسليم، وصولًا إلى فترات الاستعمار الإيطالي والفرنسي والإنجليزي. ويوضح كيف تركت هذه الفترات ظلالًا واضحة في متن التراث الشعبي، وساهمت في تشكيل الشخصية الليبية المعاصرة.
واحة براكيوم: مركز التراث والذاكرة
يتخذ الكتاب من واحة 'براكيوم' عنوانًا له، وهو الاسم القديم لواحة براك الحديثة جنوب ليبيا. وقد وثق المؤرخان هيرودوت وبليني الأكبر هذه الواحة بوصفها أرض العيون والمياه الجارية. شكلت الواحة، لأكثر من قرن، المركز الإداري لوادي الشاطئ، واشتهرت بغزارة مياهها وعدد نخيلها ومزارعها التي حققت اكتفاءً غذائيًا لها وللواحات المجاورة. كما لعبت دورًا محوريًا في تجارة القوافل واحتضان خبراء الأدلاء.
يستعرض الكتاب أيضًا محطات من تاريخ المقاومة الليبية خلال فترة الاحتلال الإيطالي (1912-1939)، وما شهدته الواحة من بطولات، إلى جانب مواجهتها القوات الفرنسية التي غادرتها عام 1954. كما يتناول صراعاتها في العهد القرمانلي، حين تمرد الجنوب على هيمنة أسرة يوسف باشا وواجه سياسات فرض الضرائب والمكوس.
توثيق أكاديمي رائد للتراث اللامادي
يمثل الكتاب توثيقًا أكاديميًا رائدًا، حيث تعد 'براكيوم' أول منطقة في الجنوب الليبي تدخل مجال الدراسات الجامعية المتخصصة في التراث الشعبي اللامادي. اعتمدت المؤلفة على بحث ميداني حول الحكاية الشعبية في مقاطعات براك الأربع: القصر، الزاوية، العافية، والمصلى. استخدمت غندور منهجًا أنثروبولوجيًا سوسيولوجيًا في جمع الحكايات من الراويات الشعبيات وتحليلها، ثم وسعت نطاق البحث ليشمل طقوس الحج وعيد الأضحى، مسلطة الضوء على شخصيات الراويات بوصفهن حافظات للذاكرة الجمعية.
تنوع المكونات الثقافية في الكتاب
يضم الكتاب نماذج متنوعة من الشعر والأغاني والأمثال والألغاز والحكايات من التراث الشعبي الليبي، بالإضافة إلى الطقوس والعادات والمهن وأدوار الرجل والمرأة. يستند العمل إلى جهود جيل الرواد من الباحثين الليبيين في مجال التراث الشعبي، ويلفت إلى غياب التأسيس المؤسسي لعلم الفلكلور في ليبيا مقارنة بتجارب عربية مجاورة. يدعو الكتاب إلى تعزيز جهود الجمع والتوثيق والنشر، حتى لا يبقى التراث عرضة للنسيان، ولا تتحول الذاكرة الشعبية إلى فراغ مقلق في وجدان المجتمع.



