قالت الدكتورة نهلة إمام، مستشار وزير الثقافة لشؤون التراث، إنها وُلدت ونشأت في جاردن سيتي، ولذلك كان حي الجمالية بالنسبة لها حيًا شعبيًا تقليديًا وعريقًا ومبهرًا في الوقت نفسه، لكنها لم تكن تفهم بشكل كامل طبيعة التفاعلات الاجتماعية فيه في البداية. وأوضحت أنها كانت مهتمة أصلًا بدراسة علم الاجتماع، لذلك ركزت على أنماط التفاعل الاجتماعي بين الناس، وكيف يتعاملون في حياتهم اليومية.
اكتشاف مفهوم «الواجب» كمنظومة تبادل اجتماعي
أضافت خلال لقاء مع الإعلامية سناء منصور، في برنامج «ست ستات»، المذاع على قناة dmc، أنها لفت نظرها ما أسمته لاحقًا بـ «الواجب»، أي منظومة الواجبات المتبادلة بين الناس، من النقوط في العزاء، إلى الهدايا، إلى تبادل الطعام، والطبق الذي يذهب ويعود، وكل أشكال التبادل الاجتماعي.
أشارت إلى أن هذا النمط من التفاعل، أو «الواجب»، ظل يشغلها طويلًا مع أساتذتها، متابعة: «كنت أقول لهم: أريد أن أدرس أكثر من مجرد الهدايا، أريد فهم تبادل الطعام، وكيف يشترك الناس في جمعيات لتجاوز الأزمات، أريد فهم منظومة أوسع من التبادل الاجتماعي، وفي النهاية قلت لهم: سأطلق عليه اسم «الواجب».
وتابعت: «قالوا لي: وهل هناك مصطلح علمي اسمه «الواجب»؟ قولي إنه «أنماط التفاعل الاجتماعي»، فأجبتهم: كما أن كبار علماء الأنثروبولوجيا عندما درسوا مفاهيم مثل «الكولا» استخدموا المصطلح المحلي، فإن الناس هنا يقولون «واجب».. أنا ذاهبة لأعمل الواجب، أو أحمل طبقًا للواجب، لذلك سأستخدم هذا المصطلح، وهكذا درستُ أشكال الواجبات المتبادلة بين الناس في حي عريق يمثل، في تقديري، نموذجًا للأحياء القديمة في مصر».
الجمالية كحقل ميداني ودقة التوثيق البحثي
وعن تسمية حي الجمالية بهذا الاسم، أوضحت أنه سُمّي نسبة إلى القائد بدر الدين الجمالي، وهو حي يتكوّن من عدة شياخات وأقسام داخلية. ومن الطريف أنها كانت، بعد إجراء مقابلة ميدانية مع أحد الحرفيين مثل ترزي على الرصيف المقابل، تتابع التفاعلات الاجتماعية وترصد أشكال «الواجب»، ثم تعود إلى الخرائط وتتأكد من الحدود الإدارية، فتكتشف أحيانًا أنها انتقلت إلى حي آخر مثل الدرب الأحمر، فتستبعد تلك البيانات من البحث.
وأكدت إمام أن دقة التوثيق البحثي كانت أساسية في دراستها، حيث حرصت على عدم تجاوز الحدود الإدارية للحي لضمان صحة النتائج. وأشارت إلى أن مفهوم «الواجب» يعكس عمق التكافل الاجتماعي في الأحياء الشعبية المصرية، وهو ما يمثل نموذجًا فريدًا للتفاعل الإنساني.



