في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، يبرز الأمل في قدرة مصر على تحويل المحن إلى منح، عبر الإدارة الرشيدة وسياسة الاتزان الخارجي وشعب متماسك. القطاع الخاص المصري مدعو لارتداء ثوب جديد قائم على الحوكمة والشفافية والمسؤولية المجتمعية، ليكون محركاً رئيسياً للاستفادة من الفرص غير المسبوقة التي تتيحها المتغيرات الدولية.
التحولات الفرنسية وفرص الشراكة
اتضحت التحولات الفرنسية في قمة "أفريقيا فوروارد" التي عقدت في نيروبي مايو 2026، حيث أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التزامات استثمارية بقيمة 23 مليار يورو (27 مليار دولار)، منها 14 مليار يورو من القطاع الخاص الفرنسي و9 مليارات من الشركاء الأفارقة. تستهدف هذه الاستثمارات قطاعات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والزراعة والرعاية الصحية، مما يفتح أبواباً للقطاع الخاص المصري ليكون شريكاً أساسياً وبوابة لأفريقيا، خاصة مع ما أحرزته مصر خلال قيادتها للاتحاد الأفريقي عام 2019 ورئاستها للكوميسا عام 2021، التي ساهمت في رفع التجارة البينية داخل الكتلة إلى 13 مليار دولار عام 2022، ودفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الكوميسا إلى 65 مليار دولار عام 2024.
التقارب الأمريكي الصيني ودوره
يدعم التقارب الأمريكي الصيني الذي تجلى في قمة ترامب مع شي خلال مايو 2026، والتوجه الجديد نحو التعاون مع منافسة محسوبة لاستقرار سلاسل التوريد العالمية بعد توترات الخليج، الاستثمارات الصينية في مصر عبر مبادرة الحزام والطريق. بلغت الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نحو نصف 11.6 مليار دولار بين عام 2022 وعام 2025، بينما يصل حجم التجارة الثنائية إلى مستويات تتجاوز 18 مليار دولار سنوياً.
التحركات الروسية والطاقة النووية
تركز التحركات الروسية على الطاقة النووية من خلال مشروع الضبعة بقيمة 30 مليار دولار، والتجارة الروسية الأفريقية التي بلغت 26 مليار دولار مع أفريقيا عام 2025. هذا يفتح فرصاً للشراكات الصناعية والزراعية في مصر كمركز إقليمي ولوجستي، إذا تم توظيف الموارد بالشكل الأمثل وتنظيم الصفوف للانطلاق أفريقياً بنظام منظم.
قمة السبع في إيفيان
تأتي قمة السبع في إيفيان بفرنسا خلال يونيو 2026، برئاسة فرنسية، نأمل أن تنقل فيها فرنسا رد فعل قمتها الأخيرة ومتطلبات الشارع الاقتصادي الأفريقي الجديد، وتركز على التوازنات الاقتصادية العالمية والطاقة والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي والاستثمارات الخاصة، بدعوة ودعم وشراكة لدول أفريقية مثل كينيا، لتعزيز هذه الديناميكيات.
المؤشرات الاقتصادية المصرية
سجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر 9.3 مليار دولار في النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مقارنة بـ6 مليارات في الفترة المماثلة سابقاً، مع توقع أن يشكل القطاع الخاص 59% من الاستثمارات الإجمالية البالغة 3.7 تريليون جنيه في 2026/2027، ونمو الناتج المحلي الإجمالي نحو 5.3% في الربع الأول. كما ارتفع التبادل التجاري مع فرنسا إلى 2.96 مليار دولار عام 2025. هذه الأرقام تؤكد أن الأمل والفرصة ما زالت قائمة أمام القطاع الخاص المصري رغم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية المحلية كالتضخم والديون وتذبذب أداء الجنيه.
فرصة ذهبية للاقتصاد المصري
من وجهة نظري، تُعد هذه التحولات فرصة ذهبية للاقتصاد المصري، إذ يمنح توازن السياسة الخارجية المصرية على مدار 12 عاماً –التي جمعت بين الشراكات مع الغرب والشرق والجنوب– ميزة تنافسية فريدة، تحول مصر إلى مركز للتصنيع واللوجستيات والتصدير إلى أسواق أفريقية تضم 1.4 مليار نسمة.
دور القطاع الخاص والحكومة
يتعين على القطاع الخاص المصري تسريع الاستثمار المدروس الجسور في الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والصناعات الغذائية، عبر تحالفات مشتركة مع الشركاء الفرنسيين والصينيين والروس والأمريكيين والهنود والألمان والإيطاليين، مع دعم الحكومة لإصلاحات تعزز الحياد التنافسي وتقلل من دور الدولة الإنتاجي وتعظم الدور التنظيمي التشريعي الداعم لمناخ النجاح. كما يجب تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية عبر أذرعها الحكومية وأذرع منظمات الأعمال الحديثة، لجذب المزيد من التمويلات من قمة السبع، مما يرفع مساهمة القطاع الخاص في النمو إلى مستويات مستدامة تفوق 6% سنوياً، ويحقق التنمية الشاملة التي تستحقها مصر.



