في منطقة المدبح التي تفوح بعبق التاريخ في قلب حي السيدة زينب العريق، يجلس محمد عبد الله أمام كومة من الفحم الأسود، يقلب بضاعته بيدين صبغتهما المهنة بلون الكربون، ليحكي قصة "الذهب الأسود" الذي لم يسلم هو الآخر من موجة الغلاء التي اجتاحت الأسواق مؤخرًا.
قفزة في الأسعار وتحديات السوق
يرصد التقرير تحولًا ملحوظًا في بورصة أسعار الفحم خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث سجلت الأسعار ارتفاعًا بنسبة وصلت إلى 30%. ويؤكد محمد عبد الله، أحد أقدم بائعي الفحم في منطقة السيدة زينب، أن سعر كيلو الفحم الذي كان يُباع بـ 30 جنيها منذ وقت قريب، استقر حاليًا عند متوسط 40 جنيها للكيلو الواحد.
يقول عبد الله: "الزيادة كانت سريعة ومفاجئة، لكنها لم تكن نابعة من جشع التجار، بل نتيجة ارتفاع تكاليف النقل من المكامير (أماكن استخراج الفحم) وزيادة أسعار العمالة والمواد الخام. كما قفزت أسعار الفحم في دول أوروبا وليس مصر فقط بأكبر وتيرة في ثلاث سنوات، بعد توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، ما عزز توجه شركات الكهرباء نحو التحول لاستخدام وقود بديل، في ظل مخاوف من ارتفاع أسعار الوقود نتيجة التوترات الجيوسياسية."
ورغم أن القفزة من 30 إلى 40 جنيها قد تبدو كبيرة للبعض، إلا أن الإقبال لا يزال كما هو، فالفحم سلعة أساسية لا غنى عنها سواء في البيوت المصرية أو في المقاهي والمطاعم.
مستلزمات الشواء.. فاتورة إضافية
ولا يتوقف الأمر عند الفحم فحسب، بل امتدت الزيادات لتشمل الأدوات المساعدة. ويوضح عبد الله أن أسعار "شبك الشوايات" شهدت تباينا حسب الحجم والجودة، حيث تبدأ أسعار الشبك من 80 جنيها للمقاسات الصغيرة، وتتدرج لتصل إلى 140 جنيها للمقاسات الكبيرة التي تستوعب كميات ضخمة من اللحوم، وهي الأداة التي يحرص زبائن "الشواء المنزلي" على اقتنائها خاصة في العطلات والمناسبات.
رحلة الاستخراج: من الخشب إلى الرماد
عملية استخراج الفحم، أو ما يعرف بـ "تفحيم الخشب"، هي عملية شاقة تتطلب خبرة ودقة. يتم وضع أخشاب الأشجار في "مكامير" (وهي حفر كبيرة أو غرف محكمة الإغلاق)، حيث يتم إشعال النار فيها وتغطيتها بالتراب لتقليل نسبة الأكسجين. تهدف هذه العملية إلى حرق المواد الطيارة في الخشب وتحويله إلى كربون خالص. تستغرق هذه العملية عدة أيام تحت مراقبة دقيقة، لضمان عدم تحول الخشب إلى رماد، بل إلى قطع فحم صلبة وقوية.
أنواع الفحم.. لكل استخدام "سر"
يشرح محمد عبد الله أن الفحم ليس نوعًا واحدًا، بل تختلف جودته وسعره باختلاف نوع الخشب المستخلص منه:
- فحم الموالح (ليمون وبرتقال): ويعد الأجود والأغلى ثمنًا، ويتميز بطول فترة اشتعاله وعدم إصداره روائح نفاذة أو دخان كثيف، وهو المفضل لأصحاب المقاهي (الشيشة).
- فحم الفواكه (جوافة ومانجو): يستخدم بشكل واسع في شواء اللحوم، حيث يمنح الطعام رائحة مميزة ونكهة طبيعية محببة.
- فحم الجزورين: وهو الأكثر شعبية واستخدامًا في الأغراض المنزلية والتدفئة نظرًا لسعره المناسب وقوة حرارته.
- الفحم المضغوط: وهو فحم مصنع من مخلفات الفحم الطبيعي، يتميز بسهولة الاشتعال وشكله المنتظم، لكنه لا يضاهي الفحم الطبيعي في جودة الطعم عند الشواء.
استخدامات لا تنقطع
رغم التطور التكنولوجي وظهور الشوايات الكهربائية، يظل للفحم سحره الخاص واستخداماته المتعددة. فهو الركيزة الأساسية في "عزومات" الشواء التي تجمع العائلات المصرية، وهو الروح المحركة للمقاهي الشعبية، فضلًا عن استخدامه في بعض المناطق للتدفئة في فصل الشتاء، وفي بعض الصناعات اليدوية والتقليدية التي تتطلب درجات حرارة عالية ومستقرة.
يختتم محمد عبد الله حديثه وهو يزن كيلًا من الفحم لأحد الزبائن: "الفحم هو النفس الذي يخرج من الأرض، ورغم غلاء الأسعار، سيظل المصريون مرتبطين برائحة الشواء وصوت طقطقة الفحم، فهي طقوس شعبية لا يغيرها الزمن، خاصة بعيد الأضحى لأنه موسم شواء اللحوم."



