صحفي يروي تجربته الصادمة مع القائمة السوداء للبنوك بسبب دين 513 جنيهاً فقط
في قصة تكشف عن مفارقات صادمة في النظام المصرفي المصري، يروي الصحفي عبد الناصر محمد كيف وجد اسمه مدرجاً في القائمة السوداء للعملاء المتعثرين بالبنوك، وذلك بسبب دين بسيط لم يتجاوز قيمته 513 جنيهاً فقط. هذه الواقعة التي تعود إلى عام 2003، تبرز التناقض بين معاملة صغار المدينين وكبار رجال الأعمال الذين يحصلون على قروض ضخمة.
بداية الأزمة: مبادرة "كمبيوتر لكل صحفي"
في عام 2003، أطلقت مبادرة تحت عنوان "كمبيوتر لكل صحفي"، تم إبرامها بين نقابة الصحفيين وبنك مصر وإحدى الشركات الموردة للحاسب الآلي. تقدم عبد الناصر محمد للحصول على جهاز كمبيوتر بقيمة إجمالية بلغت 3 آلاف جنيه، على أقساط شهرية تقريباً 57 جنيهاً للقسط الواحد. كانت هذه الأقساط تستقطع مباشرة من بدل التكنولوجيا والتدريب الذي يحصل عليه من النقابة، مثل باقي الزملاء، مما جعله لا ينشغل بهذا الأمر.
ولكن حدثت أزمة غير متوقعة بين الإدارة المالية للنقابة وبنك مصر، حيث توقف سداد هذه الأقساط لمدة طويلة، دون أن يكون الصحفي على علم بهذا التوقف. وبعد قرابة ثلاث سنوات من شراء الجهاز، توجه محمد إلى البنك الأهلي للحصول على فيزا شراء كجزء من مبادرة جديدة، وهناك بدأت المفاجأة.
مواجهة صادمة في البنك الأهلي
عندما قدم عبد الناصر محمد أوراقه كصحفي ونائب رئيس قسم الاقتصاد بجريدة الأحرار، بدأ الموظف المختص بالبنك الأهلي في فحص مستنداته. فجأة، شخصت عينا الموظف ونظر إليه بنظرة تعجب واستهجان، كما لو كان يتهمه بارتكاب جريمة. خلع الموظف نظارته وبدأ في استجوابه حول علاقاته المصرفية مع البنوك.
في تلك الفترة، كان محمد يعمل كمحرر مصرفي بجريدة الأحرار، وكشف عن علاقات مريبة بين بعض عملاء البنوك، خاصة كبار رجال الأعمال الذين يقدمون ضمانات واهية. حتى أنه حصل على أول جائزة من نقابة الصحفيين عام 2002 عن ملف حول الفساد بالبنوك، فظن أن الموظف اطلع على أعماله الصحفية ذات الصدى الواسع.
الكشف عن الإدراج في القائمة السوداء
سرعان ما تبدد هذا الظن، حين أخبره الموظف بأن اسمه يظهر في القائمة السوداء لعملاء البنوك، وفقاً لتعليمات البنك المركزي، باعتباره عميلاً متعثراً وهارباً من سداد الديون المستحقة عليه. تحدث الموظف بجدية تامة، دون أي علامات على خفة الظل، مما أكد أن الأمر حقيقي وليس تشابهاً في الأسماء.
بعد صدمة أولية، بدأ عبد الناصر محمد في البحث عن الأمر، وتوجه إلى أحد مصادره بالبنك المركزي للتعرف على طبيعة القروض. تأكد له أنه مدرج بالفعل في القوائم السلبية وممنوع من التعامل مع البنوك، في انتظار دقائق من الترقب.
مفارقة ساخرة: دين 513 جنيهاً فقط
لا ينكر محمد أنه شعر بفخر غريب عندما اكتشف أن اسمه في قائمة واحدة مع حيتان البنوك من رجال الأعمال المتعثرين، مثل الدكتور أحمد بهجت صاحب دريم لاند وجولد ستار، ورامي لكح، وهدى عبد المنعم "المرأة الحديدية"، وعمرو النشرتي، وحاتم الهواري وغيرهم. ولكن الصدمة الحقيقية جاءت عندما علم أن السبب هو عدم سداد بعض أقساط جهاز الكمبيوتر لبنك مصر، والتي لم تتجاوز 513 جنيهاً فقط.
تداعيات خطيرة على الحياة المهنية والشخصية
دخل الصحفي في دوامة من المحاولات لتسوية الديون، بينما بدأ شبح السجن يطارده. سيطرت عليه هواجس تسريب الخبر إلى الصحف بأنه متعثر، وهو ما كان سيؤثر حتماً على مؤسساته ومشروعاته الضخمة، خاصة الأعمال التي كان يراسل بها بعض الصحف العربية بالقطعة.
كما بدأت تلوح في الأفق مخاوف من قيام البنوك بوضع أيديها على تلك الأعمال لحين سداد المديونيات. عاش محمد فترة عصيبة، ذكرته بالمسرحيات التراجيدية الإغريقية القديمة، حيث ودع جفنيه النوم خوفاً من فضح الأمر أمام أهله وأبناء دائرته بالشرابية، وتأثير ذلك على مستقبله السياسي.
حل الأزمة وتداعيات مستمرة
أخيراً، تواصل عبد الناصر محمد مع الأستاذ ممدوح الولي، أمين صندوق النقابة آنذاك، الذي قام بمخاطبة بنك مصر. تمت تسوية الموضوع بعد أن تعهدت النقابة بسداد الدين المستحق على دفعات، ولكن خروج الاسم من القائمة السوداء استغرق بعض الوقت، ربما للتأكد من عدم تكرار هذا الأمر في عمليات أخرى.
ربط الواقعة بقضية "حوت الأسمدة"
جال بخاطر محمد هذا الموقف الغريب مؤخراً، عندما برزت على السطح الإعلامي واقعة حصول رجل الأعمال محمد الخشن، صاحب شركة إيفر جرو للأسمدة، على قروض من 35 بنكاً قيمتها 40 مليار جنيه. أشفق الصحفي على الرجل، متوقعاً أن يواجه نفس مصيره في واقعة الـ513 جنيهاً، ويحل ضيفاً على القائمة السوداء للعملاء المتعثرين.
تخيل محمد أن حظ الخشن قد يعثر ويلتقي بنفس موظف البنك الأهلي، الذي سوف يخلع نظارته أيضاً ويمارس معه دور وكيل النيابة، كل هذا من أجل 40 مليار جنيه، خصوصاً أن منها 6 مليارات جنيه من البنك الأهلي فقط. لهذا، أعلن مساندته التامة لزميل القائمة السوداء في تلك المحنة، داعياً المولى عز وجل أن ينتقم من البنوك التي تغرر بالمتعثرين وتمنحهم قروضاً كي تدرج أسماؤهم على قوائمها السوداء.



