دول الخليج ومأزق هرمز: غياب البدائل الفعالة يهدد الأمن الطاقوي العالمي
دول الخليج ومأزق هرمز: غياب البدائل الفعالة

في ظل الأجواء الملبدة بالتصعيد العسكري الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط منذ مطلع العام الجاري، يعود مضيق هرمز إلى صدارة المشهد بوصفه أحد أكثر مفاصل النظام الاقتصادي العالمي هشاشة وتأثيرًا. فالإغلاق شبه الكامل للمضيق خلال الأسابيع الماضية لم يكشف فقط عن حجم الاعتماد الدولي عليه، بل أعاد طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: هل تمتلك دول الخليج بدائل حقيقية لهذا الممر الحيوي؟

غياب البدائل الفعالة

الإجابة، كما تكشفها الوقائع، لا تزال سلبية إلى حد بعيد. فرغم عقود من التخطيط والاستثمار في مسارات بديلة، لم تتمكن دول المنطقة من بناء منظومة قادرة على تعويض الدور الذي يؤديه المضيق، سواء من حيث السعة أو الكفاءة أو الأمان.

يمر عبر مضيق هرمز يوميًا ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والمواد الحيوية المرتبطة بالأمن الغذائي والصناعي. هذه الكثافة تجعل منه ليس مجرد ممر ملاحي، بل عقدة مركزية في بنية الاقتصاد الدولي. ومن ثم، فإن أي اضطراب فيه لا يظل محليًا أو إقليميًا، بل يتحول سريعًا إلى أزمة عالمية متعددة الأبعاد.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

البدائل الحالية: طموح محدود

في مواجهة هذا الواقع، اعتمدت دول الخليج على عدد محدود من البدائل، أبرزها خطوط الأنابيب العابرة للأراضي. غير أن هذه البدائل، رغم أهميتها، تكشف عن فجوة واضحة بين الطموح والقدرة الفعلية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
  • السعودية: يمثل خط الشرق– الغرب محاولة استراتيجية لتجاوز المضيق عبر نقل النفط إلى البحر الأحمر. وقد جرى توسيع قدرته الاستيعابية ليكون بمثابة صمام أمان في حالات الطوارئ. إلا أن القيود اللوجستية في مواني التصدير، إلى جانب المخاطر الأمنية التي باتت تستهدف البنية التحتية للطاقة، تحدّ من فعاليته كبديل شامل.
  • الإمارات: سعت إلى تحقيق قدر من الاستقلال عبر خط أنابيب يربط حقولها النفطية بميناء الفجيرة خارج الخليج. ورغم ما يوفره هذا الخط من منفذ مباشر إلى المحيط الهندي، فإنه يظل محدود السعة، فضلًا عن تعرضه لمخاطر الاستهداف العسكري، ما يقلل من قدرته على ضمان استمرارية الإمدادات في ظروف الصراع.
  • العراق والكويت: تكاد الصورة تكون أكثر تعقيدًا، حيث يعتمد العراق على مضيق هرمز بشكل شبه مطلق، رغم امتلاكه خطًا شماليًا نحو تركيا لا يستطيع تعويض سوى جزء ضئيل من صادراته. أما الكويت، فتجد نفسها في وضع أكثر هشاشة، في ظل غياب أي بدائل برية، ما يضع صادراتها بالكامل تحت رحمة التطورات في المضيق.
  • قطر: تتخذ الأزمة بعدًا مختلفًا، إذ يتعلق الأمر أساسًا بصادرات الغاز الطبيعي المسال، التي لا تملك أي مسارات بديلة خارج هرمز. وهذا ما يضفي على الأزمة بعدًا عالميًا إضافيًا، نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه قطر في تزويد الأسواق الآسيوية والأوروبية بالطاقة.
  • إيران: حاولت تطوير مسار بديل عبر بحر عُمان، لكنها لم تنجح في تحويل هذا المشروع إلى خيار فعّال، نتيجة القيود التقنية والعقوبات، ما يعكس صعوبة تجاوز الجغرافيا حتى بالنسبة للدول الساعية إلى تقليل اعتمادها على المضيق.

المحصلة الاستراتيجية

في المحصلة، تكشف هذه المعطيات عن حقيقة استراتيجية أساسية: البدائل القائمة لا ترقى إلى مستوى التحدي، وأي محاولة لبناء بدائل جديدة ستتطلب استثمارات هائلة وزمنًا طويلًا، فضلًا عن أنها لن تكون بمنأى عن المخاطر الأمنية نفسها التي تهدد المضيق.

وعليه، فإن مضيق هرمز سيظل، في المستقبل المنظور، أحد أهم محددات الأمن الطاقوي العالمي، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل أيضًا لغياب بدائل قادرة على منافسته. وفي عالم يتجه نحو مزيد من التنافس الجيوسياسي، يصبح التحكم في هذا الممر، أو القدرة على تعطيله، أداة استراتيجية لا تقل أهمية عن امتلاك الموارد ذاتها. كما أن الدرس الأبرز من الأزمة الحالية لا يتمثل فقط في هشاشة سلاسل الإمداد، بل في محدودية قدرة الدول - حتى تلك التي تمتلك موارد هائلة - على إعادة تشكيل الجغرافيا بما يتجاوز قيودها الطبيعية. ومن هنا، فإن مستقبل الأمن الطاقوي العالمي سيظل، إلى حد كبير، مرهونًا باستقرار هذا الشريان الضيق الذي يربط الخليج بالعالم.