لا يدرك الكثير من الناس أن الهواء الذي نتنفسه يؤثر في صحتنا العقلية والجسدية بشكل كبير. فالهواء النقي قد يطيل العمر ويحسن القدرات الإدراكية، وهو ما أكدته دراسة علمية حديثة حول تأثير استخدام أجهزة تنقية الهواء المنزلية المزودة بتقنية HEPA. وأظهرت الدراسة أن تشغيل هذه الأجهزة لمدة شهر واحد فقط يمكن أن يؤدي إلى تحسن ملحوظ، وإن كان محدوداً، في وظائف الدماغ لدى البالغين، خاصة من تجاوزوا سن الأربعين. ونشر موقع Science Alert نتائج الدراسة نقلاً عن دورية Scientific Reports، مشيراً إلى أن هذا التحسن يحمل دلالة إحصائية مهمة رغم بساطته الظاهرية.
كيف تعمل أجهزة تنقية الهواء عالية الكفاءة؟
تعتمد أجهزة تنقية الهواء عالية الكفاءة على فلاتر قادرة على التقاط الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، وهي ملوثات غير مرئية غالباً لكنها ترتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي ومشكلات القلب والأوعية الدموية، فضلاً عن تأثيراتها السلبية على الدماغ. وتشير أبحاث عديدة إلى أن التعرض المستمر لهذه الجسيمات قد يساهم في تطور أمراض عصبية مثل آلزهايمر وباركنسون، مما يعزز أهمية تقليل التعرض لها داخل البيئات المغلقة.
تفاصيل الدراسة ونتائجها
أُجريت الدراسة بالتعاون بين باحثين من جامعة كونيتيكت وجامعة تافتس، وشملت مجموعة من الاختبارات المصممة لقياس الأداء المعرفي للمشاركين. تضمنت هذه الاختبارات تقييم الذاكرة البصرية، وسرعة المعالجة الحركية، إضافة إلى قياس الوظائف التنفيذية والمرونة الذهنية. وتم ذلك من خلال مهام تعتمد على رسم خطوط تربط بين أرقام متسلسلة، أو التناوب بين أرقام وحروف، وهي اختبارات شائعة لقياس كفاءة الدماغ في التعامل مع المعلومات المعقدة.
وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين استخدموا أجهزة تنقية الهواء المزودة بفلتر HEPA تمكنوا من تحسين أدائهم في هذه الاختبارات، حيث أتموا مهام المرونة الذهنية والوظائف التنفيذية بسرعة أكبر بنسبة بلغت نحو 12% مقارنة بالفترة التي استخدموا فيها أجهزة تنقية غير فعالة (وهمية). ورغم أن هذه النسبة قد تبدو صغيرة، فإنها تُعد ذات أهمية علمية، إذ تعادل في تأثيرها الفوائد المعرفية الناتجة عن زيادة النشاط البدني اليومي.
التحسن قد لا يكون محسوساً
من اللافت أن الباحثين أشاروا إلى أن هذا التحسن قد لا يكون محسوساً بشكل مباشر لدى الأفراد، بمعنى أن الشخص قد لا يشعر بفرق واضح وفوري في صفاء ذهنه. إلا أن هذه التغيرات الطفيفة على مستوى الأداء المعرفي تلعب دوراً مهماً في الوقاية من التدهور العقلي على المدى الطويل، فحتى التراجع البسيط في الوظائف الإدراكية قد يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض خطيرة أو حتى ارتفاع معدلات الوفاة.
وتدعم هذه النتائج ما توصلت إليه دراسات سابقة، والتي تشير إلى أن تلوث الهواء يمكن أن يؤثر سلباً على الدماغ خلال ساعات قليلة فقط من التعرض، وليس على المدى الطويل فحسب. كما أظهرت أبحاث أخرى أن الجسيمات الدقيقة قد تؤدي إلى تقليل حجم «المادة البيضاء» في الدماغ، وهي المسؤولة عن نقل الإشارات العصبية بين الخلايا، والحفاظ على التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة. وتُعد المناطق المسؤولة عن الوظائف التنفيذية والمرونة الذهنية من أكثر أجزاء الدماغ تأثراً بتلوث الهواء، وهو ما يفسر سبب التحسن الذي لوحظ في هذه الجوانب تحديداً لدى المشاركين في الدراسة. فتنقية الهواء تقلل من العبء الواقع على الدماغ، وتحد من التأثيرات السلبية للتلوث، ما ينعكس إيجاباً على الأداء الذهني.
تأثير تلوث الهواء على الوظائف الإدراكية
تشير البيانات إلى أن تأثير تلوث الهواء على الوظائف الإدراكية يبدأ في الظهور بشكل أكثر وضوحاً مع التقدم في العمر، خاصة ابتداءً من سن الأربعين. ومع مرور الوقت، قد تتفاقم هذه التأثيرات، مما يجعل من الضروري اتخاذ خطوات وقائية مبكرة. ولهذا، يرى الباحثون أن استخدام أجهزة تنقية الهواء قد يكون مفيداً بشكل خاص لكبار السن، أو لمن يعيشون في بيئات ذات مستويات مرتفعة من التلوث.
كما رجّح العلماء أن الاستمرار في استخدام هذه الأجهزة لفترات أطول من شهر واحد قد يؤدي إلى تعزيز هذه الفوائد، أو على الأقل الحفاظ عليها، خاصة إذا تم دمج ذلك مع نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني المنتظم. وفي ظل تزايد مستويات التلوث في العديد من المدن حول العالم، قد تمثل هذه الأجهزة وسيلة بسيطة لكنها فعالة لدعم صحة الدماغ والحفاظ على كفاءته مع التقدم في العمر.



