لم يعد ما يحدث داخل الأهلي مجرد حركة اعتيادية في سوق الانتقالات، بل تحول إلى مشروع فني متكامل يقوده المدرب الألماني ماتياس يايسله، الذي يبدو مستعدًا للتضحية بأسماء من العيار الثقيل إذا كانت لا تتناسب مع فلسفته داخل الملعب.
التضحية بالنجوم الكبار
خلال الأسابيع الأخيرة، ارتبط اسم الأهلي برحيل أكثر من نجم، بداية من الجزائري رياض محرز الذي أنهى النادي ارتباطه به، فضلاً عن عدم تجديد عقد الإيفواري فرانك كيسيه، ووصولاً إلى التقارير التي تتحدث عن إمكانية رحيل إيفان توني وروجير إيبانيز، في خطوة تعكس أن المعيار لم يعد قيمة اللاعب أو تاريخه، وإنما مدى ملاءمته للمشروع الفني الجديد.
ورغم أن هذا التوجه يمنح يايسله حرية كاملة لبناء الفريق الذي يريده، إلا أنه يضع الأهلي أيضًا أمام رهان قد يتحول إلى سلاح ذي حدين، لأن النجاح سيمنح المدرب مكانة استثنائية، بينما الفشل قد يحوله إلى أول المتهمين بالتفريط في نجوم الفريق.
مشروع جديد لا يعترف بالأسماء
منذ وصوله إلى الأهلي، أظهر يايسله تمسكًا واضحًا بأفكاره التكتيكية، لكن الموسم الجديد يبدو مختلفًا تمامًا، بعدما قرر بناء فريق قادر على تنفيذ الضغط العالي والاستحواذ المكثف طوال التسعين دقيقة.
هذا الأسلوب يتطلب نوعية خاصة من اللاعبين، يمتلكون جاهزية بدنية كبيرة وقدرة على الركض والضغط بصورة مستمرة، وهو ما جعل الجهاز الفني يعيد تقييم جميع العناصر دون استثناء. لذلك، لم تعد النجومية أو الشعبية كافية لضمان البقاء، بل أصبح السؤال الأهم داخل الأهلي: هل يستطيع اللاعب تنفيذ ما يطلبه المدرب؟ ومن هنا بدأت ملامح الثورة الفنية، التي قد تشهد خروج أسماء كانت حتى وقت قريب من الركائز الأساسية في الفريق.
التضحية بالنجوم... مخاطرة محسوبة
التخلي عن ثنائي بحجم رياض محرز وكيسيه لم يكن قرارًا سهلًا، لكنه بعث برسالة واضحة مفادها أن المشروع أهم من أي اسم، مهما كانت قيمته الفنية أو التسويقية. الأمر نفسه ينطبق على الأنباء المتداولة بشأن مستقبل كيسيه وتوني وإيبانيز، حيث تشير إلى أن الإدارة منحت يايسله صلاحيات واسعة لإعادة تشكيل الفريق وفق احتياجاته، وليس وفق جماهيرية اللاعبين.
لكن في المقابل، فإن التخلص من هذا الكم من الخبرات يحمل مخاطرة كبيرة، لأن هؤلاء اللاعبون يمتلكون جودة عالية وقدرة على حسم المباريات، حتى وإن لم يكونوا الأنسب تكتيكيًا. ولهذا، فإن أي صفقات جديدة ستتحمل مسؤولية كبيرة، لأنها لن تكون مطالبة فقط بتعويض الأسماء الراحلة، بل بإثبات أن المشروع الجديد يستحق كل هذه التضحيات.
بين النجاح والانفجار
إذا نجح يايسله في بناء منظومة متكاملة تحقق البطولات، فسيُنظر إلى قراراته على أنها كانت شجاعة واستباقية، وسيحسب له أنه امتلك الجرأة لاتخاذ قرارات لم يكن غيره ليتخذها. أما إذا تعثر الأهلي، فستعود كل هذه الملفات إلى الواجهة، وسيتحول السؤال من "لماذا رحل محرز؟" إلى "هل كان رحيله خطأ؟"، ومن "لماذا تم الاستغناء عن كيسيه أو توني؟" إلى "من يعوضهم؟".
في كرة القدم، النتائج وحدها هي التي تمنح القرارات صفة الصواب أو الخطأ، لذلك فإن يايسله لا يراهن فقط على أسلوب لعب جديد، بل يراهن أيضًا على مستقبله مع الأهلي. وربما لهذا السبب، تبدو الأشهر المقبلة هي الأصعب في مسيرة المدرب الألماني، لأن مشروعه لا يقف على حدود تغيير طريقة اللعب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل هوية الفريق بالكامل.
قنبلة موقوتة داخل الأهلي
قد يكون الأهلي على أعتاب مرحلة تاريخية إذا نجح المشروع الجديد، لكنه في الوقت نفسه يقف أمام قنبلة موقوتة، لأن التخلص من النجوم لا يمنح فرصة للتراجع. إما أن ينجح يايسله في صناعة فريق أكثر شراسة وانسجامًا وقدرة على فرض أسلوبه، وإما أن تتحول هذه القرارات إلى عبء يطارده مع كل نتيجة سلبية. ولهذا، فإن الموسم المقبل لن يكون اختبارًا للاعبين فقط، بل سيكون الاختبار الحقيقي لفلسفة يايسله نفسها... فلسفة لا تؤمن بالأسماء، بل تؤمن بأن المنظومة دائمًا أكبر من أي نجم.



