فوضى الأدوية البيطرية في مصر: سوق موازٍ يهدد الثروة الحيوانية وصحة الإنسان
يشهد سوق الدواء البيطري في مصر حالة من الفوضى والاضطراب، نتيجة تعقيدات الإجراءات الرسمية للإفراج عن المستحضرات البيطرية، وانتشار الأدوية غير المرخصة والمغشوشة على نطاق واسع. وتفاقم هذه الأزمة بسبب استخدام أدوية زراعية في عمليات الحقن البيطري، مما يهدد صحة الثروة الحيوانية ويمتد تأثيره السلبي إلى صحة الإنسان والاقتصاد الوطني.
تشتت الرقابة وانتشار الغش
في ظل تشتت واضح في جهات الرقابة بين وزارتي الصحة والزراعة، وهيئة الدواء المصرية، وهيئة الخدمات البيطرية، يصعب السيطرة على السوق البيطري. وحذر الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، من أن أكثر من 40% من الأدوية المتداولة مغشوشة أو غير مراقبة بشكل كاف، واصفًا السوق بـ"الكارثة" التي تفاقم المخاطر الصحية والاقتصادية.
وأوضح عوف أن العواقب تمتد أبعد من مجرد الأدوية البشرية، مشيرًا إلى أن تناول الإنسان لحوم حيوانات تلقت أدوية مغشوشة قد يضر بمئات المواطنين، وليس بفرد واحد فقط. وأضاف أن التشتت في المسؤوليات بين الهيئات المختلفة يُضعف الرقابة على السوق ويزيد من انتشار الممارسات غير القانونية والخطرة.
أخطر الأزمات: استخدام الأدوية الزراعية في الحقن
كشف الدكتور أحمد البنداري، وكيل نقابة الأطباء البيطريين، عن أخطر الأزمات التي تواجه سوق الدواء البيطري في مصر، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من المشكلات الحالية يرجع إلى استخدام أدوية مسجلة بوزارة الزراعة في الحقن، رغم أنها غير معدة طبيًا لذلك. وأوضح أن الأدوية الزراعية بطبيعتها لا تحتوي على الفلاتر اللازمة للحقن، كما أنها تفتقر إلى درجات النقاوة المطلوبة.
وقال البنداري: "الأدوية الزراعية آخرها شرب فقط، ولا تصلح إطلاقًا للحقن للحيوان، لأنها لا تُصنع وفق اشتراطات الحقن ولا تحتوي على الجزء الخالص الذي يسمح بدخوله إلى الدم." وأضاف أن استخدام هذه الأدوية يؤدي إلى حالات حساسية حادة في الجاموس والأبقار تنتهي بالنفوق، رغم أن الحيوان الواحد تصل قيمته إلى أكثر من 100 ألف جنيه.
سوق موازٍ يعتمد على الغش والتصنيع غير الشرعي
أشار البنداري إلى وجود سوق موازٍ يعتمد على الغش والتصنيع غير الشرعي، حيث يقوم البعض بتعبئة أي مواد داخل عبوات بدائية، تُصنع أغطيتها في المنازل، ثم تُستخرج لها "تسجيلة زراعة" ويتم الترويج لها على أنها صالحة للحقن. وهذا يؤدي إلى حالات نفوق متكررة وخسائر جسيمة، في ظل غياب الرقابة الحقيقية.
وأوضح أن التفتيش يتركز غالبًا على الأماكن المرخصة فقط، بينما يتم الجزء الأكبر من التداول في أماكن غير مسجلة، ما يزيد من المخاطر على الحيوانات والمربين. كما أن المشكلة لا تتوقف عند الغش فقط، بل تمتد إلى سوء التخزين والتوزيع، حيث يعمل كثير من الموزعين دون ترخيص رسمي، وتتلف بعض الأدوية بسبب التخزين الخاطئ.
ندرة الإنتاج المحلي والاعتماد على الاستيراد
كشف البنداري أن مصر تحتاج سنويًا إلى نحو 36 مليار جرعة تحصين للطيور، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي مليار جرعة فقط، ويتم استيراد باقي الكميات من الخارج. وأضاف أن عدد شركات تصنيع الأدوية البيطرية المحلية محدود للغاية، ولا يتجاوز خمس أو ست شركات فعالة، ما يجعل السوق معتمدًا بشكل شبه كامل على الاستيراد.
ونفى وصول نسبة الأدوية البيطرية المغشوشة إلى 40%، موضحًا أن المشكلة الحقيقية تكمن في المنتجات الزراعية التي تُستخدم كحقن والأدوية غير المرخصة، مؤكدًا أنه في حال ضبط هذه الملفات ستنخفض النسبة إلى نحو 10%.
تحديات الإجراءات الرسمية وتعقيدات التداول
أكد استشاري الأدوية البيطرية، الذي تحفظ على ذكر اسمه، أن سوق الأدوية البيطرية في مصر يواجه تحديات كبيرة نتيجة صعوبة تداول الدواء المحلي المرخص. وأوضح أن إجراءات الإفراج عن الأدوية المحلية الرسمية معقدة وتعجيزية، مشيرًا إلى أن المصانع الكبرى تواجه إغلاق خطوط الإنتاج مؤقتًا أثناء تحديثها لتتوافق مع متطلبات منظمة الصحة العالمية (WHO).
وأضاف أن هذه الإجراءات تؤدي إلى تأخير الإفراج عن المنتجات النهائية، وتعطيل رأس المال المستثمر، وزيادة الكلفة على المستثمرين. كما كشف عن المخاطر المرتبطة بوجود أدوية غير مرخصة في السوق، مثل مستحضرات "ليفوفلوكساسين" المخصصة للبشر والتي تستخدم أحيانًا في القطاع البيطري، مؤكدًا أن ذلك قد يؤدي إلى مقاومة البكتيريا ويشكل خطرًا على صحة الإنسان والحيوان.
مطالب بالإصلاح العاجل
طالب الخبراء بإصلاحات عاجلة تبدأ بتسهيل تداول الدواء المحلي، وتوحيد جهة الرقابة، ومنع الممارسات الخطرة داخل السوق. وشدد البنداري على أن إصلاح سوق الدواء البيطري يبدأ بمنع حقن أدوية الزراعة، وتنظيم التوزيع، وتشديد الرقابة على غير المرخصين، ودعم الصناعة الوطنية، حمايةً للثروة الحيوانية.
وأكد الاستشاري أن ضبط السوق والرقابة على الأدوية البيطرية ضرورة قصوى لضمان غذاء آمن وحماية القطاع البيطري، لكن يجب أن يسبق ذلك تسهيل تداول الدواء المحلي ودعمه. وفي النهاية، تبقى هذه الفوضى تهديدًا مباشرًا للاقتصاد والصحة العامة، مما يتطلب تحركًا سريعًا من الجهات المعنية.



