حكم الحج عن شخص والعمرة عن آخر في حج القران.. المفتي يوضح
حكم الحج والعمرة عن شخصين في القران

أجاب مفتي الجمهورية الدكتور نظير محمد عياد عن استفسار سائل يقول: "ما حكم الحج عن شخص والعمرة عن شخص آخر في حج القران؟ فهناك رجل توفي والداه، ويريد أن يوكِّل شخصًا ليحُجَّ عن أبيه ويعتمر عن أمه قارنًا بينهما، فهل يجوز ذلك؟".

حكم الحج والعمرة عن الغير

وقال مفتي الجمهورية إن الحج من العبادات التي تجري فيها النيابة عند العجز لا مطلقًا، لتوسطه بين العبادة المالية والعبادة البدنية؛ وذلك وفقًا لما عليه جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، فيجوز للمسلم القادر أن يحج عن المتوفين أو المرضى العاجزين عن الحج بأنفسهم. والأصل في جواز النيابة عن الغير في الحج ما ورد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه، قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: فقال: «وجب أجرك، وردها عليك الميراث». قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها». قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها» رواه مسلم. وما ورد عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: «حج عن أبيك واعتمر» أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (4/ 69، ط. دار المعرفة): [في هذا الحديث من الفوائد جواز الحج عن الغير، واستدل الكوفيون بعمومه على جواز صحة حج من لم يحج نيابة عن غيره، وخالفهم الجمهور فخصوه بمن حج عن نفسه].

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

حكم الحج والعمرة عن الغير

ويشترط أن يكون النائب قد أدى فريضة الحج عن نفسه أولًا حتى يتسنى له أن يؤديها عن غيره؛ لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة. قال: «من شبرمة؟» قال: أخ لي -أو قريب لي- قال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا. قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» رواه أبو داود وابن ماجه.

المراد بالقران في الحج

وأوضح المفتي أنه إذا كان الحج والعمرة كلاهما نسك مستقل عن الآخر، إلا أن من طرق أدائهما القران بينهما وهو أن يحرم بالعمرة والحج معًا، أو بالعمرة ثم يدخل عليها نية الحج قبل أن يشرع في طواف العمرة، وذلك في أشهر الحج، ولا يتحلل بينهما. ينظر: "المبسوط" للسرخسي (4/ 25، ط. دار المعرفة)، و"بداية المجتهد" لابن رشد الحفيد (2/ 100، ط. دار الحديث)، و"المهذب" للشيرازي (1/ 368، ط. دار الكتب العلمية)، و"المغني" لابن قدامة (3/ 260، ط. مكتبة القاهرة).

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

حكم الحج عن شخص والعمرة عن شخص آخر في حالة القران بينهما

لكن الفقهاء اختلفوا في مدى جواز جعل العمرة عن شخص والحج عن شخص آخر في حالة القران بينهما. فيرى الحنفية، وبعض المالكية، والحنابلة: أنه لا يشترط وقوع النسكين -أي: العمرة والحج- في السفرة الواحدة عن شخص واحد، بل يصح أن تقع العمرة عن شخص، والحج عن شخص آخر، ويجب على الآمر أو من تطوع بالقران عن غيره دم القران -كما هو المختار للفتوى- للجمع بين النسكين في سفرة واحدة. بينما يرى المالكية في ظاهر المذهب، والشافعية أنه يشترط في الجمع بين النسكين في الحج وقوع الحج والعمرة عن شخص واحد، وزاد الشافعية أنهما يقعان للفاعل دون غيره.

قال العلامة المرغيناني الحنفي في "الهداية" (1/ 179، ط. دار إحياء التراث العربي) في سياق كلامه عن الحج عن الغير: [(وكذلك إن أمره واحد بأن يحج عنه والآخر بأن يعتمر عنه وأذنا له بالقران) فالدم عليه]. قال العلامة أكمل الدين البابرتي في "العناية شرح الهداية" (3/ 152، ط. دار الفكر) [وإنما قيد بقوله: "وأذنا له بالقران" لأنه إذا لم يأذنا له بذلك لا يجوز له أن يجمع بينهما لأجلهما، فلو قرن كان مخالفًا]. وهو يدل على جواز جعل الحج عن شخص والعمرة عن شخص آخر في حج القران.

وقال الإمام الحطاب المالكي في "مواهب الجليل" (2/ 559-560، ط. دار الفكر): [وأما لو قرن ينوي العمرة عن نفسه والحج عن الميت فقال ابن عبد السلام: المنصوص عدم الإجزاء... قال سند: فلو استأذنهم في القران بالعمرة لنفسه فأذنوا له لم يصرفه شيء؛ لأنه وفاهم بما عاهدهم عليه، وهل يصح ذلك؟ فالظاهر أنه لا يصح؛ لأنه اشتراك في طواف واحد وسعي واحد وذلك غير جائز، وقال أشهب في "مدونته" في رجل حج عن رجل واعتمر عن آخر وقد أمره بذلك: إن دم القران على المعتمر، فرأى أن الشرع لما صحح إحرام العمرة وإردافه على الحج فقد تحقق الإحرامان حال الاجتماع كما يتحققان حال الانفراد، فإذا جازت الإجارة على كل منهما منفردًا جازت عليه مجتمعًا انتهى].

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في "الغرر البهية" (2/ 260-261، ط. المطبعة الميمنية): [(وإن نوى القارن للمستأجر) لأحد النسكين (نسكًا) منهما بإسكان السين مخففا من ضمها (وخص نفسه بالآخر فليقعا لنفسه)؛ لأن نسكي القران لا يفترقان، ولا يمكن صرف ما لم يأمر به المستأجر إليه؛ فوقعا للفاعل، وكذا لو نواهما معا للمستأجر]. قال العلامة العبادي محشيًا عليه: [(قوله: لا يفترقان) قد يؤخذ منه أنه لو نوى أحدهما عن ميت والآخر عن ميت آخر انصرفا جميعا له؛ لأنهما لا يفترقان، ووقوعهما لأحدهما ترجيح بلا مرجح (قوله: معا للمستأجر) وكذا الحكم لو استأجر شخصان، شخصا ليحج عن واحد ويعتمر عن الآخر فقرن قاصدًا عن كل واحد ما استأجره عليه فإنه يقع للأجير].

وقال العلامة أبو السعادات البهوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 413-414، ط. دار الفكر): [(ولا يعتبر وقوع النسكين عن واحد، فلو اعتمر لنفسه وحج عن غيره أو عكسه) بأن اعتمر عن غيره وحج عن نفسه (أو فعل ذلك عن اثنين) بأن حج عن أحدهما واعتمر عن الآخر (كان عليه دم المتعة)؛ لظاهر الآية، وهو على النائب إن لم يأذنا له في ذلك إن لم يرجع إلى الميقات فيحرم منه؛ لأنه سبب مخالفته، وإن أذنا فعليهما، وإن أذن أحدهما وحده فعليه النصف والباقي على النائب على ما ذكره في الشرح، فيما إذا استنابه اثنان في النسكين فقرن بينهما لهما، أو استنابه واحد في أحد النسكين فقرن له ولنفسه].

حكم الحج عن شخص والعمرة عن آخر في حالة القران بينهما

وأشار إلى أن المختار للفتوى: ما ذهب إليه الحنفية وبعض المالكية والحنابلة من جواز وقوع النسكين في حج القران عن شخصين ولا يشترط وقوعهما عن شخص واحد، عملًا بما تقرر في قواعد الشرع الشريف من التيسير ورفع الحرج عن المكلفين خاصة في باب الحج؛ لمظنة حصول المشقة فيه أكثر من غيره، ومن ذلك: قاعدة "المشقة تجلب التيسير" وقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: "إذا ضاق الأمر اتسع". ينظر: "الأشباه والنظائر" للسبكي (1/ 49، ط. دار الكتب العلمية).

وعلى ذلك فيجوز للحاج أن يجمع بين العمرة والحج في سفرة واحدة ويسمى قارنًا، وذلك بأن يحرم بالعمرة والحج معًا، أو بالعمرة ثم يدخل عليها نية الحج قبل أن يشرع في طواف العمرة، وذلك في أشهر الحج، ولا يتحلل بينهما.

الهدي الواجب على القارن بين الحج والعمرة

أجمع الفقهاء على أنه يجب على القارن دم نسك؛ قال العلامة ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (1/ 288، ط. الفاروق الحديثة): [وأجمعوا أن هدي القران واجب]. والهدي الواجب في ذلك: شاة أو بقرة أو بعير أو سبع البقرة أو البعير عند جمهور الفقهاء، فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، ويقوم القارن بذبح هدي لجمعه بين نسكين في سفرة واحدة، لقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} [البقرة: 196].

قال الإمام القرطبي في "تفسيره" (2/ 392، ط. دار الكتب المصرية): [وإنما جعل القران من باب التمتع؛ لأن القارن يتمتع بترك النصب في السفر إلى العمرة مرة وإلى الحج أخرى، ويتمتع بجمعهما، ولم يحرم لكل واحد من ميقاته، وضم الحج إلى العمرة، فدخل تحت قول الله عز وجل: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي}. وهذا وجه من التمتع لا خلاف بين العلماء في جوازه]. فما يجري على المتمتع بخصوص الهدي يجري على القارن.

وقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس: «من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» متفق عليه. والقارن كالمتمتع في وجوب الهدي، حيث إن المتمتع وجب عليه الدم؛ لأنه جمع بين النسكين في وقت أحدهما، فمن باب أولى يجب على القارن دم؛ لأنه قد جمع بينهما في إحرام واحد.

حكم الحج عن شخص والعمرة عن آخر في حالة القران بينهما

وأوضح مفتي الجمهورية أنه بناء على ذلك وفي واقعة السؤال، فيجوز للرجل أن يوكل شخصًا ليحج عن أبيه ويعتمر عن أمه قارنًا بينهما، ويجب عليه دم القران، وحجه صحيح ومجزئ، وكذا عمرته عن كل واحد ممن ناب عنهما.