تحذير من عسكرة المساعدات في غزة: أطباء بلا حدود تطالب بإنهاء العنف
تواصل السلطات الإسرائيلية عسكرة المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، مما يتسبب في معاناة شديدة للمدنيين الفلسطينيين. كريم، الذي كان يعمل حلاقًا، يعاني اليوم من إصابة عصبية دائمة في ساقه بعد حادثة إطلاق نار شهد خلالها استشهاد صديقه بالقرب من إحدى مناطق توزيع المساعدات. أما محمد، الذي أصيب بتسع طلقات نارية، فلا يزال يخضع للعلاج الفيزيائي ويعاني من آلام مزمنة، مؤكدًا أن إطلاق النار نحو مراكز المساعدات الإنسانية جاء من عدة اتجاهات خلال تدافع المدنيين. مصطفى، سائق الأجرة الفلسطيني المقيم في رفح، فقد ابن أخيه البالغ 17 عامًا برصاص قناص، فيما أصيب هو بجروح أدت إلى مضاعفات صحية خطيرة قرب نقاط توزيع الغذاء.
هذه الشهادات تجسد معاناة لم تنته رغم قرب دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة شهره التاسع، حيث بدت عقارب الساعة وكأنها لم تراوح مكانها منذ توقيع الاتفاق في 10 أكتوبر 2025.
تحذير من أطباء بلا حدود
حذرت منظمة "أطباء بلا حدود" من عسكرة المساعدات في غزة، مؤكدة أن آثار العنف المرتبط بتشغيل نقاط توزيع الغذاء المعسكرة لا تزال مستمرة، في ظل معاناة مئات المصابين من إعاقات دائمة وصدمات نفسية عميقة. ودعت المنظمة إلى عدم تكرار هذا النموذج تحت أي ظرف، مشددة على أن عسكرة المساعدات الإنسانية تمثل خطرًا مباشرًا على حياة المدنيين.
ماذا يعني مصطلح عسكرة المساعدات؟
سياسيًا، يشير مصطلح عسكرة المساعدات إلى تحويل المساعدات الإنسانية والإغاثية من هدفها الأساسي المتمثل في إنقاذ حياة المدنيين إلى أداة لتحقيق أهداف عسكرية أو أمنية، أو ربط توزيعها بالهيمنة العسكرية والسياسية. ويتم ذلك عبر عدة ممارسات، منها استخدام المساعدات كسلاح حرب عن طريق التحكم في وصول الغذاء والدواء واستخدامها كورقة ضغط لمعاقبة السكان أو إجبارهم على النزوح، وإخضاع المنظمات الإنسانية للسيطرة المباشرة للقوات العسكرية، وقيام الجيوش المحتلة بتسليح ميليشيات محلية لتولي توزيع المساعدات، مما يخلق فوضى وابتزازًا ويعرض حياة المدنيين للخطر.
متى بدأت عسكرة المساعدات في غزة؟
بدأت رحلة عسكرة المساعدات في غزة مع بدء "مؤسسة غزة الإنسانية" عملها في أواخر مايو 2025، كبديل عن نظام توزيع المساعدات الذي كانت تديره الأمم المتحدة عبر نحو 400 نقطة. أدارت سلطات الاحتلال الإسرائيلي هذه المنظومة بدعم مالي من الولايات المتحدة وآخرين، بينما تولى مرتزقة أمنيون أمريكيون تأمين المواقع، مع بقاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية على محيطها. توقفت عمليات المؤسسة بعد نحو ستة أشهر، عقب مجازر متكررة ارتكبتها قوات الاحتلال أسفرت عن استشهاد وإصابة آلاف المدنيين. ووثقت أطباء بلا حدود بين يونيو وأكتوبر 2025 ما لا يقل عن 32 حالة وفاة، وعالجت 1885 مصابًا في مركزي العطار والمواصي للرعاية الصحية الأولية في خان يونس، مؤكدة أن غالبية الإصابات نتجت عن إطلاق نار مباشر أو تدافع جماعي عند نقاط التوزيع.
كيف تبنت مؤسسة غزة الإنسانية عسكرة المساعدات؟
منذ اللحظة الأولى لبدء عملها، أثيرت شكوك حول "مؤسسة غزة الإنسانية"، وأعلنت الأمم المتحدة أنها "غير محايدة وغير نزيهة". في 24 مايو 2025، نقلت جريدة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين إسرائيليين أن خطة مساعدات جديدة لغزة مدعومة من الولايات المتحدة "أعدها الإسرائيليون وطوروها كوسيلة لإضعاف حماس". وأوضح رئيس بعثة أطباء بلا حدود في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جوان توبو، أن المدنيين الذين سعوا للحصول على الغذاء واجهوا مستويات مرتفعة من العنف الموجه والعشوائي، وعالجت فرق المنظمة أطفالًا أصيبوا بطلقات نارية في الصدر، إلى جانب حالات اختناق وسحق نتيجة الازدحام. وأشارت المنظمة إلى أن هذه الإصابات خلفت آثارًا طويلة الأمد، حيث يعيش عدد من المصابين مع مثبتات عظمية خارجية أو إعاقات تحد من قدرتهم على العمل وإعالة أسرهم.
لماذا تهدد عسكرة المساعدات النسيج الاجتماعي الفلسطيني؟
أكد منسق الطوارئ في غزة، نيكولاس باباكريسوستومو، أن هذه الآلية لم تقتصر آثارها على الإصابات الجسدية، بل ساهمت في تفكيك النسيج الاجتماعي نتيجة الخوف والتنافس الحاد على الموارد، مما أدى إلى تفاقم الصدمات النفسية. وربطت أطباء بلا حدود بين هذا النموذج وأزمة سوء التغذية التي تفاقمت في القطاع، مشيرة إلى أن تقليص نقاط التوزيع، إلى جانب الحصار والنزوح وتدمير البنية الصحية، دفع غزة نحو المجاعة التي أُعلن عنها منتصف عام 2025، مع تأثيرات شديدة على النساء الحوامل والأطفال.
عسكرة المساعدات في غزة.. عمل إنساني أم فرض إرادة؟
خلال حرب الإبادة، تبنى جيش الاحتلال الإسرائيلي استراتيجية عسكرة المساعدات كأداة لفرض الإرادة على سكان غزة، حيث أدار المساعدات الإنسانية ضمن منظومة عسكرية ترفض التوزيع الحيادي، واستهدفت خلق تمايزات داخل القطاع المحاصر، وسعت إلى تحويل المساعدات إلى أداة ضغط ناعمة تزعزع الدعم للمقاومة. في المحصلة، حولت سلطات الاحتلال المساعدات الإنسانية إلى سياسة أمنية تستهدف إعادة تشكيل المجتمعات تحت غطاء أخلاقي، وتحول الخطاب الإنساني إلى أداة داعمة لمنطق الهيمنة.



