قد يمر بك شعور في لحظة سكون مفاجئة أو وسط ضجيج الحياة المعتاد، بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. ليس بالضرورة حزنًا، بل هو نوع من الفراغ الغامض، أو حنين جارف لشيء لا تستطيع تسميته، أو مكان لم تزره قط، أو وطن لم تطأ قدماك أرضه. قد تسمي هذا الشعور خيالًا، أو رومانسية مفرطة، أو ربما أزمة وجودية. ولكن، دعنا نتأمل في هذا الأمر بعقل منفتح.
الجوع الروحي: دليل على وجود غذاء حقيقي
إذا وجدت في داخلك جوعًا لا يمكن لأي طعام مادي أن يشبعه، ألا يشير ذلك بالضرورة إلى وجود طعام حقيقي، لكنه ليس من هذا العالم؟ إذا وجدت فيك عطشًا لا ترويه مياه الينابيع، ألا يعني ذلك أنك خُلقت لتشرب من نبع ليس من تراب هذه الأرض؟
الحنين: بوصلة الروح نحو الشمال الحقيقي
إن هذا الحنين ليس دليلًا على أننا ضائعون، بل هو في الواقع دليل على أننا موجودون لغرض أسمى. إن الحنين هو بوصلة الروح التي تشير دائمًا نحو الشمال الحقيقي. إن الروح البشرية ليست مجرد آلة بيولوجية مصممة للبقاء، بل هي كيان يحن إلى الكمال، والكمال لا يوجد في عالمنا المنكسر هذا.
يقول المرتل في وصف هذا التوق العظيم: “كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ” (مز ٤٢: ١). إن هذا الشوق ليس عبثًا. إننا نشتاق لأننا خُلِقنا من أجل الله، ونحن نعيش الآن في حالة من الاغتراب عن موطننا الأصلي. نحن مثل المسافرين الذين نسوا الطريق، لكن قلوبهم لا تزال تذكر وجهة الرحلة.
كيف نصل إلى المبتغى؟
ولكن، قد يسأل المرء: وإذا كان هذا الحنين حقيقيًا، فكيف نصل إلى ذلك المبتغى؟ كيف نجد الشبع الذي لا ينتهي؟
الإجابة لا تأتي من خلال الفلسفة المجردة، ولا من خلال تراكم المعارف، بل تأتي من خلال شخصٍ جاء ليعلن لنا عن طبيعة هذا المبتغى. لقد جاء يسوع المسيح ليقول لنا إن الشبع ليس في الأفكار، بل في الوجود ذاته، في العلاقة مع الخالق: “فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا” (يو ٦: ٣٥).
الإيمان: استجابة للحنين
إن الإيمان ليس مجرد قبول لمجموعة من القواعد الأخلاقية، بل هو استجابة لهذا الحنين. إنه قبول بأننا محتاجون إلى هذا الخبز السماوي. ليس لأننا ضعفاء فحسب، بل لأننا صممنا لنكون في شركة مع الله.
إن الله لم يتركنا نتخبط في حنيننا بلا رجاء. لم يكتفِ بأن يرسل لنا خريطة للوصول إليه، بل جاء هو بنفسه ليفتح لنا الطريق، معبرًا عن محبة لا تعرف حدودًا، محبة تجسدت لكي تلتقي بالبشرية في نقطة اللقاء الحقيقية: “وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ، مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا” (رو ٥: ٨).
دعوة للتأمل
لذا، في المرة القادمة التي تشعر فيها بذلك الحنين الغامض، لا تحاول إسكاته بالضجيج أو الهروب منه بالملذات الزائلة. بل توقف، وانظر إلى هذا الفراغ كأنه دعوة، كأنه صوت يناديك من بعيد، ليقول لك: أنت لست من هنا، وهناك.. هناك مكانٌ ينتظرك، وشخصٌ يحبك، ونورٌ سيضيء طريقك.



