في إطار سلسلة مقالات بمناسبة الاحتفال بمرور 200 عام على إنشاء قصر العيني، يسلط القصر الضوء على قصة تأسيس أول مدرسة للطب في مصر، والتي ارتبطت باسم الطبيب الفرنسي أنطوان برثيليمي كلوت، الرجل الذي لم يكتفِ بممارسة الطب، بل غيّر مساره بالكامل في مصر.
النشأة والبدايات
وُلد أنطوان برثيليمي كلوت عام 1793 في مدينة جرينوبل بفرنسا، لأسرة فقيرة لم تمنحه سوى التعليم الأولي. لكنه امتلك شغفًا بالطب منذ صغره، وبدأ رحلته مع الجراحة بعد أن عاش مع جراح كان يعالج والده. التحق بالتعليم الطبي في فرنسا، وعمل في مستشفيات مختلفة، وحصل على درجة الدكتوراه في الطب عام 1820 من مدرسة مونبلييه، ثم على درجة الدكتوراه في الجراحة عام 1823.
الانتقال إلى مصر
في عام 1824، استدعاه والي مصر محمد علي باشا ليعمل طبيبًا وجراحًا أول في الدولة المصرية. سرعان ما صعد نجمه، فأصبح عام 1825 رئيسًا لأطباء جيوش محمد علي، وعام 1826 عضوًا في مجلس الصحة. تولى إدارة مدرسة الطب في أبو زعبل بين عامي 1827 و1831، وقاد جهود مكافحة الأوبئة، خاصة الطاعون، مما نال تقدير محمد علي باشا الذي منحه لقب بك عام 1831، ثم رقاه إلى رتبة ميرلواء.
الإنجازات العلمية والتكريمات
انتقلت مدرسة الطب إلى القاهرة عام 1837، وارتفعت مكانة كلوت بك العلمية والسياسية. أصبح عضوًا في العديد من الجمعيات العلمية والطبية في أوروبا، وحصل على أوسمة مرموقة من عدة دول، منها وسام جوقة الشرف الفرنسي، ووسام القديس غريغوريوس الكبير من الفاتيكان، ووسام إيزابيل الكاثوليكية من إسبانيا، ووسام النسر الأحمر من بروسيا، ولقب كونت بمرسوم إمبراطوري.
المؤلفات الطبية
لم يكن كلوت بك طبيبًا فحسب، بل كان مؤلفًا غزير الإنتاج. من أهم مؤلفاته: رسالة في الطاعون، منع الجرب والداء الأفرنجي، مبادئ الجراحة، علم الجراح، مبادئ الفلسفة الطبية، نبذة في تطعيم الجدري، كنوز الصحة، وأول كتاب في علم التشريح طُبع في مطبعة أبي زعبل.
العودة إلى فرنسا والوفاة
تعرضت مسيرته لانتكاسة بعد تولي عباس باشا الحكم، حيث أغلقت المدارس الطبية واضطر للعودة إلى فرنسا. لكن سعيد باشا أعاده إلى مصر ليعيد تنظيم المدرسة الطبية. غادر مصر نهائيًا عام 1861 بسبب تدهور صحته، وتوفي في مرسيليا عام 1868. ترك إرثًا طبيًا عظيمًا جعله جزءًا من ذاكرة مصر، وجزءًا من قصة قصر العيني التي تمتد لمائتي عام.



