الفساد: قدر أم اختيار؟ الجواب في يد المواطن
لعل هناك الكثير من السرقات التي لا يرصدها الحراس لأنها تحدث داخل البيت ذاته. السرقة من داخل البيت لا يجدي معها مئات الحراس خارج المنزل العام. هكذا هو الفساد؛ وباءٌ لا يُعلن عن نفسه، ومستنقعٌ لا نعرف مدى عمقه، ولكنه يبتلع من يدخل فيه.
لماذا تتعثر التنمية؟
لقرون طويلة تساءل الاقتصاديون: لماذا تتعثّر مسيرة التنمية في بلدان تزخر بالثروات والكفاءات والإمكانات؟ وكانت الإجابة في كل مرة تعود إلى ذلك الخيط الخفيّ الممتد من قاعدة الهرم إلى كل جوانبه على اختلاف ارتفاعاته: الفساد.
لا يقتصر الفساد على خلط المصالح الخاصة بالسلطة العامة، بل سرعان ما يتحول من حوادث عارضة إلى ظاهرة اجتماعية مقبولة، ويُصبح مرآةً كاشفة لمدى تراجع الوعي الجمعي واستسلام الضمير العام. وفي تلك اللحظة بالذات، تتوقف عجلة التنمية، ليس لأن الخطط فشلت أو لأن الموارد نضبت، بل لأن الثقة انهارت، والأمل تآكل، والمواطن أدار ظهره للشأن العام.
ضرورة رفع الوعي والمبادرات الشعبية
من هنا تأتي ضرورة الكلام عن رفع الوعي والقيام بمبادرات شعبية؛ كضرورةً تنموية حتمية، لا تقلّ أهميةً عن بناء المستشفيات وشقّ الطرق. فالدولة التي يستيقظ فيها المواطن وعنده قدر من الوعي الأخلاقي والحقوقي، هي الدولة التي تستخدم تشريعاتها الإصلاحية بكفاءة لأنها تمتلك المناعة الاجتماعية في مواجهة الفساد.
خسائر الفساد: أرقام صادمة
لا تحتاج العلاقة بين الفساد والتنمية إلى إثبات نظري؛ فأرقام الواقع تتحدث بصوت أعلى من أي أطروحة دكتوراه أكاديمية. يؤكد البنك الدولي في موقع (صدى نيوز) بتاريخ 2 ابريل 2023 أن "تقديراته تشير إلى أن أكثر من 2.6 تريليون دولار (ما يساوي نحو 5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي) يهدر سنويًا نتيجة للفساد". وهو رقم يكفي وحده لتخريج عشرات الدول من دائرة الفقر إلى دائرة الاكتفاء. لكن الخسارة الأشد وجعًا ليست الرقمية؛ إنها تلك الخسارة التي لا تظهر في الميزانيات: خسارة الكفاءات التي هاجرت، والمشاريع التي لم تكتمل، والجيل الذي لم يجد في الحيز العام مكانًا نظيفًا يثق به. ففقد ثقته ببلده وحاول أن يهرب على قوارب الانتحار الى مكان أكثر عدالة وأقل فسادا.
الفساد ضريبة على الفقراء
حين يُحكم الفساد قبضته على منظومة الحوكمة، يتحول الفساد الى ضريبة تنازلية بامتياز يدفعها الفقراء وينتفع بها الأثرياء. أو "كما قال كاتبنا الساخر جلال عامر -رحمه الله-: لطالما ارتَدْنَا موائد الرحمن التي أقامها الأغنياء لسنوات، لِنكتشف في النهاية أننا مَن ندفع تكلفة هذه الولائم".
كيف نرفع وعي المجتمع لتقليل الفساد؟
لا يُولد المجتمع واعيًا، كما لا تُولد الأشجار مُثمِرة؛ كلاهما يحتاج إلى رعاية وتغذية وصبر. رفع الوعي بأنواع الفساد وآليات مقاومته ليس عملية خطابية تكتفي بصياغة البيانات، بل هو استراتيجية تغيير عميقه تبدأ من الفصل الدراسي وتمتد إلى المسجد والكنيسة والنادي والمذياع والتلفاز وشاشة الهاتف الأن والأى باد.
حين يدرك المواطن أن ما يُدفعه كرشوةً هو في حقيقته اقتطاع من حقه، وأن ما يُبدّد من مال عام هو في جوهره سرقة من مستقبل أبنائه، حين يدرك ذلك بوعيٍ حقيقي لا بوعظ مجرّد، يتحوّل الصمت تجاه الفساد من حيلة للبقاء إلى جريمة بالتقاعس. وهذا التحوّل في الإدراك هو قفزة في مسار الإصلاح.
تجارب دولية ناجحة
والأمثلة التاريخية شاهدة على ذلك. في سنغافورة، حين قرّرت الحكومة أن مكافحة الفساد ستبدأ من المدرسة لا من المحكمة، أعادت رسم مناهج القيم وأدخلت النزاهة العامة درسًا أساسيًا لا اختياريًا. وفي رواندا التي خرجت من أشد نكبات التاريخ المعاصر، كان الوعي الجماعي بتكلفة غياب المسؤولية أحد أقوى محركات الإصلاح المؤسسي.
الدور الديني في مكافحة الفساد
والعالم الإسلامي يمتلك من الأرصدة الدينية ما يجعل هذه المهمة أيسر مما نتصور: "من غشّنا فليس منا"، و"لعن الله الراشي والمرتشي"، و{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}؛ نصوصٌ صريحة تحتاج فقط إلى من يُعيد توظيفها في الخطاب العام بحيوية ووضوح.
المبادرة الشعبية.. الشريك الذي لا غنى عنه
الحكومات وحدها لا تكفي لمحاربة الفساد. هذه ليست إدانة، بل حقيقة بنيوية: فالجسم الذي يُشكو منه بعض أعضائه لا يستطيع شفاء نفسه بنفسه دون أن يستنجد بمناعته الداخلية. والمناعة الداخلية للمجتمع هي المواطن الواعي المشارك.
وفي سياقنا المصري والعربي، ثمة مساحة واسعة لمبادرات من هذا القبيل: تفعيل دور لجان الأحياء (مجالس الأباء والأمهات في المدارس – أعضاء اللجان المجتمعية في النوادي وأي لجان أخرى على مستوى المحليات) في متابعة مشاريع الخدمات ومشاريع الأحياء والمحافظات، وتنشيط الصحافة وتشجيعها على مراقبة الإنفاق العام.. ودعم منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال الشفافية. هذه ليست مواجهةً مع أحد، بل هي مساندة للدولة في حربها على مستنزفي مواردها. والحكومة التي تحارب الفساد تحتاج إلى عيون المواطنين أكثر مما تحتاج إلى ألسنتهم.
متى تنجح المبادرات الشعبية؟
التاريخ لا يكذب: حيثما التقت إرادة شعبية واعية بإرادة سياسية حقيقية، انكسر الفساد. في جورجيا مطلع الألفية الثالثة، تحوّلت من أحد أكثر البلدان فسادًا في آسيا الوسطى إلى نموذج يُحتذى في الإصلاح؛ ولم يكن السرّ في المساعدات الدولية وحدها، بل في بناء منظومة رقابة مجتمعية أعادت الثقة إلى العلاقة بين المواطن والدولة.
وفي تشيلي، حين انتبه المواطنون إلى أن مشاركتهم في آليات الرقابة البلدية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بجودة الخدمات التي يتلقّونها، تصاعد معدل المشاركة المجتمعية في آليات الحوكمة المحلية بشكل لافت. القاسم المشترك في كل نجاح: وعيٌ مبكّر، ومبادرة مستدامة، ورفضٌ اجتماعي راسخ للفساد بوصفه سلوكًا مُدان لا "وسيلة لتزييت التروس مقبولة".
الوعي المرتفع هو الوطن المرغوب
يُقال إن كل أمة تستحق حكومتها. وهذه المقولة، وإن كانت قاسية، تحمل نواةً من حقيقة: حين يرتفع مستوى وعي المواطنين، يرتفع معه حجم المساءلة التي يفرضونها على من يُديرون شؤونهم وبخاصة على مستوى المجالس المحلية ويرتفع مستوى أداء الجهات التنفيذية ويقل الفساد. الوعي ليس رفاهية المثقفين، والمبادرة ليست حكرًا على النخب! والفساد، في نهاية المطاف، ليس قدرًا محتومًا ولا طبيعة بشرية لا تُقاوم؛ إنه اختيارٌ يتخذه أفراد في لحظات ضعف أو طمع، ومقاومته تبدأ حين يقرر أخرون اتخاذ اختيار المصلحة العامة.



