إنذار من التاريخ: كيف تتحول الضيوف إلى أصحاب أرض؟
إنذار من التاريخ: كيف تتحول الضيوف إلى أصحاب أرض؟

داليا جمال - إنذار من التاريخ

استيقظنا ذات صباح فوجدنا في ناصية الشارع شيئًا صغيرًا بالكاد يُرى.. توك توك، لم يخف أحد منه، وبدا بسيطًا ومحدودًا وعابرًا، مجرد وسيلة فقيرة تتسلل إلى الأزقة الضيقة. مرّت الأيام فظهر توك توك آخر، ثم ثالث، ثم عشرات، ثم مئات، حتى استيقظنا ذات يوم لنكتشف أن الشوارع اختُطفت، وأن الضوضاء صارت جزءًا من هواء المدينة، وأن العشوائية تمددت كوحش خفي ابتلع النظام والجمال والهدوء.

كيف تبدأ الكوارث الكبرى؟

هكذا دائمًا تبدأ الكوارث الكبرى؛ صغيرة، هادئة، تكاد لا تُرى، ثم تكبر فجأة حتى تصبح واقعًا كاملًا يطبق على صدور الناس. وهكذا أيضًا، استيقظنا منذ سنوات قليلة لنجد غرباء يعيشون بيننا. وجوه ليست وجوهنا، وملامح لا تشبه ملامحنا، ولهجات غريبة تتسلل إلى أذنك في كل شارع ومقهى ومحل وموقف. في البداية كانوا قلة، ثم تزايدت الأعداد عامًا بعد عام، حتى أصبح المصري نفسه يشعر بالغربة في الشوارع التي ولد فيها وعاش فيها أبوه وجده.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تغير الملامح

شيئًا فشيئًا تغيّرت الملامح، وأحياء كاملة لم تعد مصرية الروح، ولافتات بأسماء غريبة ظهرت في كل مكان، ومطاعم بروائح مختلفة، وزحام خانق يضغط على المدارس والمستشفيات والمرافق، وأسعار عقارات تقفز بجنون لأن القادم يشتري بأي ثمن، بينما ابن البلد يقف عاجزًا أمام شقة صغيرة أو فرصة عمل بسيطة.

وفجأة وجد المصري نفسه يسأل السؤال المرعب: هل ما زالت هذه بلادي فعلًا؟ لم تعد الشوارع تحمل نفس رائحة الزمن الجميل، ولم تعد البيوت تشبه دفء البيوت القديمة، وحتى الأمان النفسي الذي كان يملأ هذا البلد تراجع واختبأ خلف أبواب الخوف والقلق والترقب.

شعور بالغربة داخل الوطن

والأخطر من ذلك كله أن المصري أصبح يشعر وكأنه هو المطالب دائمًا بالتراجع خطوة للخلف؛ يترك عمله، ويترك رزقه، ويترك بيته وحيّه، بل ويترك حتى حقه الطبيعي في أن يشعر أن هذا الوطن له. وأي وجع أكبر من أن يشعر الإنسان بالغربة داخل وطنه؟

نحن لسنا ضد الإنسانية، ولم تكن مصر يومًا بلدًا يطرد محتاجًا أو يغلق بابه في وجه ملهوف. هذه الأرض حملت عبر تاريخها الجميع، وفتحت ذراعيها لكل هارب من حرب أو جوع أو موت. لكن هناك فرقًا شاسعًا بين الرحمة وبين التفريط، بين استقبال إنسان منكسر وبين أن يتحول الوطن بالتدريج إلى أرض بلا ملامح، وبلا هوية واضحة، وبلا قدرة على حماية أبنائه وحقوقهم ومستقبلهم.

تآكل الأوطان بصمت

والأخطر أن الأوطان حين تُرهق اقتصاديًا واجتماعيًا لا تنهار فجأة بصوت مدوٍّ، بل تتآكل بصمت؛ يتآكل شعور الناس بالأمان، وتتآكل الطبقة الوسطى، ويتآكل حلم الشباب في بيت وزواج ومستقبل، حتى يتحول المواطن مع الوقت إلى مجرد غريب يطارد لقمة العيش داخل وطن لم يعد قادرًا على احتماله أو احتضان أحلامه.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

دروس من التاريخ: فلسطين

وما يحدث اليوم يعيد إلى الذاكرة مشهدًا تاريخيًا بالغ الخطورة؛ مشهد فلسطين منذ وعد بلفور عام 1917. يومها أيضًا لم يأتِ الصهاينة فوق الدبابات في البداية، بل تسللوا بهدوء شديد إلى الأرض الفلسطينية، جاءوا كلاجئين هاربين من جحيم أوروبا، وكمرضى يبحثون عن العلاج، وكجوعى يلتمسون الطعام والأمان، فتعاطف معهم أهل الأرض وفتحوا لهم البيوت والقلوب.

لكن السنوات مرّت، وتزايدت الأعداد، وتحول الضيف إلى قوة تبتلع المكان رويدًا رويدًا، حتى استيقظ الفلسطيني ذات صباح ليجد نفسه غريبًا في أرضه، مطاردًا في بيته، محرومًا من حقه الطبيعي في وطن عاش فيه آلاف السنين. التاريخ لا يكرر نفسه بالحرف، لكنه يرسل إنذاراته دائمًا، ومن لا يقرأ إشارات التاريخ يدفع الثمن من عمر وطنه وهويته ومستقبل أبنائه. وما أشبه الليلة بالبارحة، فالأوطان لا تضيع فجأة، بل تضيع بالتدريج.. تمامًا كما بدأ التوك توك ذات يوم صغيرًا جدًا، حتى ابتلع الشوارع كلها.