لا شيء يضاهي متعة الجلوس في مقهى التاريخ، نحتسي قهوتنا الباردة، ونشاهد ملوك وإمبراطوريات العالم وهم يتعاقبون على خشبة المسرح الكوني، يصولون ويجولون، ثم فجأة، ودون سابق إنذار، يختفون وراء ستارة النسيان والتحرشات الجيوسياسية. آخر فصول هذه المسرحية الهزلية، التي تستحق أن نسميها "سيرة الإمبراطوريات الآفلة؛ الجزء الأمريكي"، تجري أحداثه الآن على الهواء مباشرة. مشهد يتكرر، كأنه "ريبلاي" لمباراة قديمة: إمبراطورية عظمى تعاني من سلسلة إسهالات مالية، وقوة صاعدة ترتدي بدلة التنين وتبتسم في وجه الجميع.
دعونا نتفق بداية أن الأبطال قد يختلفون، فمرة يكون البطل المنهار أبيض اللون ذا شعر أشقر، ومرة يكون إمبراطور الشمس المشرقة، لكن الوجع واحد، والمصيبة متشابهة، وكأن التاريخ يكتب سيناريو واحدًا ويعيد توزيع الأدوار على الممثلين فقط. بالأمس القريب، كانت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس تغيب تدريجيًا عن وعيها المالي بعد حربين عالميتين أكلتا الأخضر واليابس، واليوم تقف الإمبراطورية التي لا يغيب عنها الدولار في نفس الموقف المحرج، تبحث في جيوبها عن حل لأزمة ديون تجاوزت الـ35 تريليون دولار، وهو رقم فلكي يجعل المرء يتساءل: هل هذه ديون دولة، أم فاتورة "نت" شهري لخدمات البث والترفيه المنزلي؟
ديون تناطح السحاب
لم تعد المشكلة في أن أمريكا مدينة، فكل العالم تقريبًا مدين، البعض مدين لحياته والبعض لدول الجوار. المشكلة الحقيقية في أن أمريكا اعتادت أن تعيش فوق مستوى إمكانياتها، تتعامل مع اقتصاد العالم كما يتعامل زبون "سوبر ماركت" في يوم تخفيضات جنونية. المشهد أصبح عبثيًا: دين عام يتجاوز 35 تريليون دولار، ونسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي تتدافع نحو 121% وكأنها في سباق ماراثون. في السابق، كانت أمريكا تقول للعالم "الدولار هو ملاذكم الآمن"، أما الآن فيبدو أن الملاذ الآمن الوحيد هو ربط الحزام استعدادًا لهبوط اضطراري في اقتصاد لا يعترف بالجاذبية!
ولأن المصائب لا تأتي فرادى، قررت الإدارة الأمريكية أن تتبنى سياسة اقتصادية يمكن وصفها بـ"سياسة الفيل في متجر الخزف الصيني": رسوم جمركية حمائية تصل إلى 16%، وكأن الحل لمشكلة الديون هو فرض ضرائب على العالم بمنطق "أنتم السبب في أزمتنا، فادفعوا الثمن!" عبقرية اقتصادية من العيار الثقيل، تجعلك تتساءل: من هو المستشار الاقتصادي الذي أقنعهم بأن فرض رسوم على التجارة الدولية سينعش الاقتصاد؟ ربما هو نفسه من يدير محفظة أسهم جدتي، التي لا تؤمن إلا بالادخار في جورب قديم تحت الفراش!
التنين الصاعد
على الجانب الآخر من الكوكب، يجلس تنين صيني هادئ، يرشف الشاي الأخضر، ويشاهد فوضى العم سام بابتسامة عريضة. بينما تنشغل أمريكا بفرض رسومها الجمركية كمن يحاول إطفاء حريق بالبنزين، تواصل الصين تحقيق نمو اقتصادي يتجاوز 4.7%، وتكدس الفوائض التجارية كما تكدس السناجب المؤن قبل شتاء طويل. صادرات صينية تحقق أعلى مستوى لها منذ عقد، واقتصاد يحرك العالم بصمت، بينما يراهن الغرب على انهيار قطاع العقارات الصيني كدليل على أن التنين يعاني من زكام! لكن الفارق بين الزكام والسرطان معروف؛ الصين تشكو من زكام عقاري يمكن علاجه، بينما تعاني أمريكا من سرطان في الشرايين المالية يتطلب علاجًا كيماويًا من نوع خاص.
المفارقة المضحكة المبكية أن الصين، بكل عيوب نظامها المالي المغلق، وبكل تحفظاتها على شفافية تدفقات رأس المال، تنجح في أن تكون رقماً صعباً في معادلة لا يؤمن واضعوها إلا بعبقرية "السوق الحر". صحيح أن اليوان الصيني ليس بديلاً فوريًا للدولار، لكنه يتحول تدريجيًا من عملة هامشية إلى صداع مزمن في رأس الاحتياطي الفيدرالي. إنها لعبة المليارات التي يمارسها بوتين وشي جين بينغ بينما يصر الغرب على لعب الورق بقواعد القرن العشرين.
البحث عن بديل
وهنا نصل إلى مربط الفرس: هل يوجد بديل حقيقي للدولار؟ الإجابة المختصرة: لا. الإجابة الطويلة: لا، ولكن...! هذه الـ"لكن" هي مصدر الأرق. فاليورو الأوروبي، رغم مكانته كثاني عملة احتياطية، يظل مقيدًا ببيروقراطية أوروبية تمكنت من توحيد القارة في كل شيء إلا في السياسة المالية الموحدة. أما الذهب، فهو ملاذ الأثرياء القلقين، لكنه غير عملي لشراء النفط أو رقائق الكمبيوتر، إلا إذا كنت تخطط للعودة إلى نظام المقايضة حيث تشتري برميل نفط بمقابل سبيكة ذهبية واثنين من الإبل! أما العملات المشفرة، فهي أشبه بمراهق متمرد يريد تغيير العالم، يمتلك طاقة وعنفوان شباب، لكنه يعاني من تقلبات مزاجية حادة تجعل الكبار يخافون من تسليمه مفاتيح السيارة. البيتكوين وغيره من العملات الرقمية يمثلون حلمًا جميلاً بالتحرر من هيمنة الدولار، لكن الحلم سرعان ما يتحول إلى كابوس حين تتذكر أن هذه العملة قد تخسر 20% من قيمتها بينما أنت نائم في سريرك!
مشهد الجنازة المتوقع
السيناريو الأكثر إثارة للاهتمام ليس أن يختفي الدولار ويحل محله اليوان أو اليورو، بل أن ننتقل إلى عالم متعدد الأقطاب نقديًا، حيث يتشارك عدة لاعبين كبار مائدة النظام المالي العالمي، وحيث تضطر أمريكا أخيرًا لأن تأكل من نفس الطبق الذي يأكل منه الآخرون، لا أن تطلب سفرة خاصة بها كما كانت تفعل طوال العقود الماضية. لكن الدرس الأهم الذي يعلمنا إياه التاريخ، هو أن انتقال القوة ليس حدثًا، بل عملية. الإمبراطورية البريطانية لم تمت في ليلة وضحاها، بل قضت عقودًا وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، وهي تقنع نفسها أنها لا تزال عظيمة. اليوم، تقف أمريكا في اللحظة التاريخية نفسها، تنكر عليها شيخوختها المالية، وتمارس رياضة الجري خلف سراب الهيمنة الأبدية.
فهل نحن في منتصف جنازة مهيبة، حيث يرفض الإمبراطور المحتضر أن يصدق أنه في طريقه إلى مثواه الأخير؟ أم أن الدولار سيبقى مخضرمًا عنيدًا يتشبث بالحياة، بينما يتزاحم الوارثون حول سريره، كل منهم يهمس في أذنه: "أوصي لي يا عم الإمبراطور"؟ ما هو مؤكد، أن السنوات القادمة ستشهد فصولاً مثيرة من هذه المسرحية الهزلية. وأن مقاعد الصفوف الأمامية في مسرح الأحداث الجيوسياسية لا تزال متاحة لمن يريد أن يشهد بنفسه كيف يكتب التاريخ نهاياته الساخرة. احجزوا مقاعدكم مبكرًا، فالعرض المسرحي المسمى "أفول الهيمنة الأحادية" سيستمر لسنوات، وربما لعقود، مع استراحات قصيرة تشهد انهيارات مالية مفاجئة أو حروبًا تجارية طاحنة. فبرافو أيها التاريخ، برافو!



