أطلقت الحكومة وحدة الشركات المملوكة للدولة، وهي كيان استراتيجي يهدف إلى إدارة وحوكمة وإعادة هيكلة الشركات المملوكة للحكومة بالكامل أو جزئياً، لتعظيم قيمتها وتفعيل دور القطاع الخاص. تتبع الوحدة مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، وتركز على برنامج الطروحات الحكومية، ونقل الشركات للصندوق السيادي، ورفع كفاءة الأداء الفني والمالي للشركات التابعة لوزارة قطاع الأعمال.
قيادة الوحدة وأهدافها
بحسب ما أعلن مجلس الوزراء، يقود الدكتور حسين عيسى، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، برفقة الدكتور هاشم السيد، مساعد رئيس مجلس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة، هيكلة الهيئات الاقتصادية والشركات التي تعمل عليها الوحدة. ويهدف ذلك إلى دعم وتعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع منظمات الأعمال، بما يسهم في دعم النشاط الاقتصادي والاستثماري.
البرنامج الوطني المتكامل
تتولى وحدة الشركات المملوكة للدولة إعداد برنامج وطني متكامل يشمل منظومة وطنية لحصر وتصنيف وحوكمة الشركات. يتضمن البرنامج استيفاء شروط القيد المؤقت للشركات لضمان جاهزيتها للطرح، وترشيح مراقب حسابات خارجي لضمان موثوقية القوائم المالية، واعتماد مستشار مالي مستقل لتحديد القيمة العادلة للسهم. يتم بعد ذلك اختيار أحد بنوك الاستثمار المتميزة لإدارة الطرح والترويج له، مع تحديد نسبة وموعد الطرح وفق ظروف السوق وقرارات الجهات المالية المختصة، وصولاً إلى التنفيذ الفعلي وبدء التداول بطريقة تضمن الشفافية ونزاهة التقييم وتحقيق أقصى عائد اقتصادي.
تصريحات رئيس الوزراء
أكد الدكتور مصطفى مدبولي أن الدولة تولي أولوية قصوى لتعظيم العائد من الأصول المملوكة لها من خلال الدور المحوري لصندوق مصر السيادي، كذراع استثمارية تحول الموارد غير المستغلة إلى فرص تنموية مستدامة. ويسعى ذلك لترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي رائد لجذب الاستثمارات الأجنبية، من خلال شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص تعزز مرونة الاقتصاد الوطني وتضمن حقوق الأجيال القادمة. أوضح رئيس الوزراء أن صندوق مصر السيادي يضطلع بدور محوري في تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية كمنصة احترافية، تضمن جذب رؤوس أموال نوعية، ضمن مستهدفات الدولة لتعميق مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، بما يسهم في دفع معدلات النمو المستدام وتوفير فرص عمل جديدة.
آراء الخبراء الاقتصاديين
أجمع عدد من خبراء الاقتصاد على أن برنامج الطروحات الحكومية لا يمثل مجرد وسيلة لجذب السيولة الدولارية فحسب، بل هو أداة محورية لإعادة هيكلة الدين العام وتحسين كفاءة إدارة الأصول العامة. شدد الخبراء على ضرورة التوازن بين جذب المستثمر الأجنبي والحفاظ على السيطرة الإدارية في القطاعات الاستراتيجية.
بدوره، قال الدكتور السيد خضر، الخبير الاقتصادي، إن الدولة تسعى حالياً لزيادة تدفقات العملة الصعبة، تزامناً مع تراجع التدفقات الدولارية من قناة السويس ومجال السياحة بسبب التوترات الإقليمية. أوضح أن منهجية الدولة في برنامج الطروحات ستسهم في دعم الاقتصاد، مؤكداً أن تنفيذ البرنامج بالعملة الصعبة سيكون مهماً جداً لتعويض ما فقدته الدولة من العملة الصعبة بسبب التوترات العالمية وتذبذب التدفقات من المصريين بالخارج. وشدد على ضرورة أن تحتفظ الدولة بأكثر من 50% من الأسهم في الشركات الاستراتيجية، خاصة شركات المنتجات البترولية، لمنع تحكم المستثمرين وضمان اليد العليا للدولة في الإدارة.
من جانبه، أكد الدكتور محمد البنا، أستاذ الاقتصاد بجامعة المنوفية، أن جهود الدولة تأتي في إطار إعادة هيكلة الدين العام في مصر. أوضح أن الدين العام الخارجي يفرض أعباء عالية ويخلق مصاعب في تدبير موارد النقد الأجنبي للوفاء بخدمة الدين. وأشار إلى أن تحسين إدارة الممتلكات والأصول يمكن أن يسهم جزئياً في تخفيف أزمة المديونية وتوفير موارد بالعملة الوطنية أو النقد الأجنبي. لفت البنا إلى أن الوضع الحالي يقترب من أزمة مديونية تستدعي هيكلة الدين بشتى الطرق، مثل التقدم لنادي باريس لطلب تخفيف عبء المديونية، سواء بتنازل عن جزء من الدين أو تخفيف الفوائد أو تأجيل آجال الاستحقاق. وأكد أن هذه الإجراءات واردة ومشروعة بناء على مسؤولية المجتمع الدولي عن أزمة المديونية في الدول الفقيرة والنامية.
أوضح البنا أن اللجوء لنادي باريس يجب أن يصاحب بإجراءات محلية لحسن استخدام الممتلكات وإدارة الأصول، مع تقديم حلول متوسطة وطويلة الأجل لتدارك الصعوبات التي تواجه الاقتصاد المصري، خاصة في ظل الظروف الدولية وعدم الاستقرار في المنطقة. وأكد أن أولى الخطوات هي تقليل الاعتماد على قروض صندوق النقد الدولي والاقتراض بصفة عامة، والاعتماد على الذات وحشد الموارد الوطنية، مشيراً إلى أن معدل الادخار الوطني متدنٍ جداً وأقل من 10% من الدخل القومي، بينما يمكن أن يصل إلى 25% حسب التجارب الدولية. وأضاف أن الإنفاق الاستهلاكي يلتهم أكثر من 90% من الدخل، ويمكن ضغطه إلى 80 أو 75% لزيادة الادخار، وهو السبيل الوحيد لزيادة الاستثمار ومعدلات النمو.
بدورها، قالت آمال سليمان، الخبيرة في أسواق المال، إن الدولة ارتكزت على عدة محاور لدعم برنامج الطروحات، منها دعم المستثمرين عبر نظام الشباك الواحد، وإعادة هيكلة بعض الشركات وتحسين بيئة العمل، وإعادة تقييم الأصول لبيعها مع الاستعانة بجهات متخصصة لتقييمها وعدم إجحاف قيمتها. أوضحت سليمان أن الدولة لديها مرونة في نسبة الطرح، حيث يسمح السوق حالياً بنسبة 10%، وأن عملية الطرح متاحة حسب متطلبات السوق. وأشارت إلى أن اتجاه الدولة لتسويق الفرص عالمياً واختيار الوقت المناسب للطرح يسهم في حسن إدارة الأصول عبر البرنامج.



