مسن سبعيني يرمم المصاحف على أنقاض مطبعته في غزة دون أجر
مسن يرمم المصاحف على أنقاض مطبعته في غزة

مسن سبعيني يعيد الحياة للمصاحف على ركام مطبعته

فوق ركام مطبعته التي تحولت إلى كتل من الإسمنت والحديد في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، يجلس جميل مقداد، ذو الحادية والسبعين عامًا، بينما يضع نظارته الطبية على عينيه، وينحني باهتمام فوق مصحف على طاولة صغيرة تمزقت صفحاته بفعل العدوان الإسرائيلي على القطاع.

تلتقط يديه كل ورقة بعناية، يطابق ترتيبها، ثم يمرر طبقة رقيقة من الغراء الأبيض على حوافها الممزقة، ويضم الأجزاء إلى بعضها بدقة، قبل أن يتركها لتجف نحو نصف ساعة، يكرر العملية صفحة بعد أخرى حتى يعود المصحف متماسكًا من جديد ثم يجمع الأوراق ويعيد تجليدها يدويًا قبل أن يسلمها إلى أصحابها.

إصلاح المصاحف دون مقابل مادي

يقول الرجل المسن في تصريحات لـ«الوطن» إنه منذ أكثر من عام ونصف تحولت هذه المهمة إلى روتين يومي في حياته، وذلك بعد أن دمرت الحرب مطبعته ومنعت ظروف الحصار دخول المصاحف الجديدة إلى قطاع غزة. ومع تضرر العديد من المساجد والمنازل باتت المصاحف الممزقة تصل إليه باستمرار، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ويشدد «مقداد» على أن العمل يتم بالكامل لوجه الله ودون أي مقابل مادي: «الناس صاروا ييجوا على ما تبقى من مطبعتي حاملين مصاحفهم اللي مزقتها القذائف أو الرطوبة أو كثرة الاستخدام، فأقوم بإصلاحها وتجديد أغلفتها، وتصوير الصفحات الناقصة أو التالفة واستبدالها، حتى تعود صالحة للقراءة».

خطوات ترميم المصاحف يدويًا

يشرح «مقداد» خطوات الترميم قائلًا إنه يبدأ أولًا بترتيب الأوراق الممزقة والتأكد من تسلسلها الصحيح، ثم يستخدم مادة لاصقة بيضاء لتثبيت الأجزاء المنفصلة، ويتركها حتى تجف قبل الانتقال إلى الصفحة التالية. وبعد الانتهاء من جميع الصفحات، يعيد تجميعها ويقوم بخياطتها وتجليدها يدويًا بغلاف جديد يحفظها من التلف.

ويضيف: «أصلحت عشرات المصاحف بهذه الطريقة، في ظل غياب الإمكانات وصعوبة توفير البدائل»، معتبرًا أن الحفاظ على المصحف مسؤولية لا تقل أهمية عن الحفاظ على أي جزء من حياة الناس التي مزقتها الحرب. ويؤكد: «الاحتلال يريد أن يقتلعنا من جذورنا بما في ذلك إضعاف علاقتنا بالدين والقرآن من خلال تدمير المساجد والمصاحف، ولذلك أقوم بهذه المهمة للحفاظ على الكتاب الكريم حتى تقرأه الأجيال القادمة ويظل في وجدانهم وأمام أعينهم».

تدمير المطبعة والعمل على أنقاضها

قبل الحرب كان «مقداد» يدير «دار المقداد للطباعة»، وهي مطبعة أسسها قبل 32 عامًا، وكانت من المطابع المعروفة في قطاع غزة، حيث لم يقتصر عملها على طباعة الكتب الجامعية والملازم المدرسية، بل ضمت أيضًا ورشة متخصصة في تجليد رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث العلمية والمصاحف. ولكن خلال الشهرين الأولين من الحرب، دمرت الطائرات الحربية الإسرائيلية المطبعة بالكامل، وفقد الرجل المكان الذي قضى فيه أكثر من ثلاثة عقود من عمره.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وبعد ترميم جزء بسيط منها، عاد إلى العمل بإمكانات متواضعة، إلا أن الأولوية لم تعد لطباعة الكتب، بل لإنقاذ المصاحف التي أصبحت نادرة في القطاع. ويواصل جميل مقداد مهمته الإنسانية والدينية، متحديًا ظروف الحرب والحصار، ليحافظ على كتاب الله بين أيدي الفلسطينيين في غزة.