بعينين خضراوين تلتقطان تفاصيل المشهد من زوايا متعددة في آن واحد، تطل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بملامح تجمع بين الصرامة والحيوية، مدعومة بدبلوماسية ناعمة تتحول فيها الإيماءات وحركات اليدين والأصابع إلى لغة موازية للكلام، وكأنها تعزف على أوتار آلة الكمان الإيطالية الشهيرة "ستراديفاريوس".
شخصية مقاتلة وحضور لافت
"يمكنكم اعتباري مقاتلة"، هكذا تصف ميلوني نفسها بينما ينساب شعرها الأشقر حول وجهها، وتظهر كلماتها وكأنها تهدف لجذب الانتباه، تارة بقصة تدخينها الشرس للسجائر، وتارة أخرى بإقلاعها عنه. تكشف تعابير وجهها المتبدلة سريعاً عن شخصية لا تخفي انفعالاتها بسهولة، مما دفع وسائل إعلام دولية لوصفها بـ"الحسناء الشقراء التي يصعب الوقوع في قبضتها".
مسيرة تعليمية ومهنية متواضعة
يثار جدل حول إكمال ميلوني دراستها الجامعية، لكنها ترى أن غياب الشهادة الجامعية لم يكن عن عدم رغبة، بل لظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، إضافة إلى انشغالها بالعمل السياسي. في شبابها، عملت في وظائف بسيطة لدعم عائلتها؛ كنادلة في مطاعم وحانات روما، ومربية أطفال في المنازل. تقول ميلوني عبر حسابها على منصة "إكس": "عملت بائعة خضروات في سوق بورتا بورتيزي لمساعدة والدتي في مصاريف البيت.. أنا فخورة بهذه التجارب وأعتبرها جزءاً مهماً من مسيرتي".
النشأة والبدايات السياسية
ولدت ميلوني في 15 يونيو 1977 في روما لأب يعمل مستشاراً قانونياً وأم روائية تكتب باسمين مستعارين. بعد عام من ولادتها، انفصل والداها وانتقل والدها لجزر الكناري. التحقت بنقابة الصحفيين الإيطاليين بين 2004 و2006، وأسهم عملها الإعلامي في تعزيز مسيرتها السياسية. تعهدت خلال مؤتمر صحفي بالعودة للصحافة، معتبرة العمل السياسي مرحلة انتقالية.
بدأت نشاطها السياسي في 15 من عمرها ضمن الجناح الطلابي لحزب الحركة الاجتماعية الإيطالي، وهو حزب يميني أسسه مؤيدو موسوليني. كانت فتاة نحيلة لكنها جادة وذات روح تصميم عالية، تمنع أي شخص من الاستحواذ على الميكروفون. في 1994، تغير اسم الحزب إلى "التحالف الوطني"، وتقلدت منصب مستشارة في الحكومة الإقليمية لروما عام 1998 لمدة أربع سنوات.
الصعود السياسي
في مايو 2001، فاز برلسكوني بالانتخابات، وكان حزب ميلوني جزءاً من حكومته، مما أتاح لها فرصة أكبر للمشاركة السياسية. انتخبت نائبة في البرلمان لأول مرة في سن 29، وشغلت منصب نائبة رئيس مجلس النواب عام 2006. في 2008، تولت حقيبة وزارة الشباب لتكون أصغر وزيرة في تاريخ الجمهورية الإيطالية في سن 31.
تأسيس حزب "إخوة إيطاليا"
بعد سقوط حكومة برلسكوني في نوفمبر 2011، أسست ميلوني حزب "إخوة إيطاليا" في 2012، مستلهمة اسمه من أولى كلمات النشيد الوطني. لم يحقق الحزب نجاحاً باهراً في 2013، لكنها انتخبت زعيمة له في 2014. ترشحت لمنصب عمدة روما في 2016 لكنها حلت ثالثة. في انتخابات 2018، حصل حزبها على 4% من الأصوات، ثم 6% في انتخابات البرلمان الأوروبي 2019. في العام ذاته، انتشر خطابها الشهير: "أنا جورجا، أنا امرأة، أنا أم، أنا مسيحية ولن يتمكن أحد من سلبني ذلك".
الوصول إلى رئاسة الوزراء
في انتخابات 2022، سعت ميلوني لإبعاد حزبها عن جذور الفاشية، ومنعت الأعضاء من التصريحات المتطرفة وحظرت "التحية الرومانية". تبنت شعار "إيطاليا والإيطاليون أولاً" المستوحى من شعار ترامب، وحصل تحالفها على 44% من الأصوات، مشكلاً أول حكومة من أقصى اليمين منذ الحرب العالمية الثانية.
العلاقة مع ترامب
تذبذبت العلاقة بين ميلوني وترامب؛ ففي يناير 2025، زارته في مارالاجو وأشاد بها واصفاً إياها بـ"المرأة الرائعة". لكن سرعان ما توترت الأجواء بسبب انتقادات ترامب للبابا ليو الرابع عشر، والحرب على إيران، وتغير التحالفات الأوروبية. رفضت إيطاليا تجديد اتفاقيتها الدفاعية مع إسرائيل ووضعت بن غفير قيد التحقيق، وتجنبت المشاركة في الحرب الأمريكية ضد إيران، مفضلة البقاء السياسي على الولاء الشخصي مع اقتراب الانتخابات الإيطالية المقررة بحلول ديسمبر 2027.
في سياق مضطرب، توظف ميلوني دور الأم القوية في الأسرة الإيطالية لصالحها، لكن حظوظها تبقى مرتبطة بمجتمع يهيمن عليه الأكبر سناً، مما يجعل مسارها السياسي مفتوحاً على احتمالات متعددة.



