بعد الحرب الأخيرة على غزة ومذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية، دخل الشرق الأوسط مرحلة معقدة من إعادة التشكيل الاستراتيجي، مع انتقال المنطقة من حالة الصدام المفتوح إلى إدارة التوازنات والنفوذ، وتبدّل أولويات القوى الإقليمية، وإعادة تعريف أدوار الفاعلين من غير الدول، وفي مقدمتهم حركة حماس. أمام هذا المشهد، تجد الحركة نفسها أمام واقع إقليمي وبيئة سياسية مختلفين عن تلك المرحلة التي نشأت فيها من رحم جماعة الإخوان المسلمين.
تغير الخطاب والبيئة الإقليمية
تغيرت المنطقة بعد الربيع العربي، مع تراجع مشاريع الإسلام السياسي في عدد من الدول العربية، خصوصاً بعد سقوط حكم الإخوان في مصر، وتنامي القلق الإقليمي من التنظيمات العابرة للحدود، مما دفع الكثير من الدول العربية إلى إعادة بناء سياساتها على أساس الاستقرار والأمن الداخلي. وجاءت الحرب الأخيرة على غزة، والحديث عن تفاهمات أمريكية - إيرانية، ليحدثا تحولات كبرى، ليس على مستوى القضية الفلسطينية فحسب، بل على مستوى إعادة تعريف أدوار القوى من غير الدول في المنطقة.
في مقدمة ذلك يبرز تموضع حركة حماس، ومستقبلها الذي أصبح مرهوناً بخطابها وتحالفاتها، لتجد نفسها مجدداً أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على هويتها الفكرية والإسلامية، من دون أن تتحول إلى امتداد لأزمة الإخوان في المنطقة، وبين متطلبات التوازنات الإقليمية بعد الحرب وشروط البقاء السياسي.
محاولات التكيف والبراجماتية
حاولت حركة حماس، خلال السنوات الماضية، تقديم خطاب سياسي أكثر براجماتية وواقعية، وأقل أيديولوجية، سعياً إلى تقديم نفسها كحركة مقاومة فلسطينية ذات بعد وطني، لا جزءاً من مشروع الإخوان. وقد تجلى ذلك في الوثيقة السياسية للحركة عام 2017، التي حملت لغة أكثر مرونة من خطابها التقليدي، في محاولة للتكيف مع التحولات الإقليمية. إلا أن المرحلة التي أعقبت ذلك، ومع تصارع الأجنحة داخل الحركة بين الجناح العسكري والسياسي، وبين الداخل والخارج، وضعت الحركة في قلب التجاذبات والمشاريع الإقليمية، وتحديداً ضمن إطار محور المقاومة، منتقلة من مشروع الإخوان إلى المحور الإيراني.
مع تصاعد الأحداث الميدانية التي أعقبت السابع من أكتوبر، والحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من تطورات سياسية، وجدت الحركة نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً، أعاد إنتاج أزمتها وخطابها الأيديولوجي، نتيجة ارتباطها بمشاريع عابرة للحدود. كشفت الحرب على غزة أنها لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحماس، بل تحولت إلى جزء من معادلة إقليمية أوسع، تتداخل فيها الحسابات الأمريكية والإيرانية والعربية والإسرائيلية.
بين الفاعل السياسي والتنظيم العقائدي
بعد موافقة حماس على خطة الرئيس ترامب ذات البنود العشرين، التي أعلنها البيت الأبيض في سبتمبر 2025 لإنهاء الحرب في قطاع غزة، والتي تهدف إلى تحويل غزة إلى منطقة خالية من السلاح والتطرف، وإعادة الإعمار، وتشكيل إدارة تكنوقراط بضمانات دولية، أصبحت الحركة تتجه تدريجياً من صورة التنظيم العقائدي إلى صورة الفاعل السياسي. وباتت مضطرة للتعامل مع ملفات التهدئة، وإعادة الإعمار، والإدارة الجديدة، في ظل ترتيبات أمنية وسياسية وطنية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد، تُعيد تعريف دورها في اليوم التالي للحرب على غزة.
إذا كانت حماس لا تزال تمثل طرفاً مهماً في ضبط الوضع الميداني، وإدارة العلاقة مع الفصائل الأخرى في القطاع خلال المرحلة الانتقالية، فإن شروط بقائها السياسي تتطلب التخلي عن خطابها الأيديولوجي التقليدي، وارتباطاتها السياسية الإقليمية، وهو ما أعلنت عنه في أكثر من مناسبة. لكن تحول حماس إلى فاعل سياسي لا يعني بالضرورة تخليها عن هويتها الفكرية، إذ أصبحت البراجماتية السياسية جزءاً أساسياً من إدارتها لعلاقاتها الوطنية والإقليمية في أوقات الأزمات والتحولات الكبرى، وهي عملية تكيف مؤقتة تفرضها الظروف والوقائع.
شروط البقاء السياسي
حماس معنية بالحفاظ على موقعها كفاعل سياسي فلسطيني، بدلاً من الظهور كامتداد لمشروع إقليمي أيديولوجي أوسع، قد يضعها في مواجهة مع محيطها العربي أو جوارها الجغرافي الأقرب، في ظل اتجاه إقليمي يمنح الأولوية للاستقرار والدولة الوطنية، بعيداً عن المحاور الإقليمية والقوى المرتبطة بها. إن تخلي حماس عن خطابها الأيديولوجي التقليدي المرتبط بمشروع الإخوان، أو غيره من المشاريع العابرة للحدود، يرتبط بدرجة كبيرة بشروط البقاء السياسي، ويُعد من أبرز النتائج المباشرة للحرب على غزة وما تبعها من تطورات إقليمية، ولا سيما في ظل المحاولات الإسرائيلية لفرض ترتيبات أمنية وسياسية وإقليمية جديدة على القطاع.
تدرك الحركة أن استمرارها يتطلب قدرة أكبر على التكيف مع الظروف الراهنة، والضغوط والرقابة الإقليمية والدولية المرتبطة بمستقبل قطاع غزة، وإعادة الإعمار، ووقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي، والمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية. في ظل هذا الواقع الصعب، تبدو حماس أمام عملية انتقال تدريجية من حركة ارتبطت بمشروع الإخوان وغيره، إلى فاعل سياسي يتعامل مع الوقائع الإقليمية بمرونة وبراجماتية.
وفقاً للكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني د. أشرف عكة، فإن "المنطقة اليوم تتحرك بمنطق إدارة التوازنات والتفاهمات ومنع الانفجار الإقليمي، مع وجود مؤشرات على تفاهمات أمريكية - إيرانية تهدف إلى ضبط الصراع". ويبقى السؤال: هل سيكون بمقدور حماس التعامل مع الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة في المنطقة؟



