مؤشرات تحول في العلاقة الاستراتيجية
في وقت اعتادت فيه إسرائيل النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الأكثر ثباتًا ودعمًا، تتزايد في الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية مؤشرات تدفع إلى التساؤل حول مستقبل هذه العلاقة، وسط تحولات متسارعة في المزاج السياسي الأمريكي وانتقادات متنامية لسياسات تل أبيب.
مساعي ترامب للاتفاق مع إيران تثير القلق
خلال الأسابيع الأخيرة، تصدرت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية عناوين النقاش داخل إسرائيل، خاصة بعد سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التوصل لاتفاق مع إيران، وهي الخطوة التي اعتبرها كثير من الإسرائيليين تنازلًا عن أحد أبرز الخطوط الحمراء الأمنية بالنسبة لهم. كما أثارت الانتقادات المتكررة التي وجهها ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تساؤلات بشأن مدى متانة العلاقة بين الجانبين، بحسب تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.
الانتخابات التمهيدية في نيويورك تكشف تحولات ديمقراطية
وزادت نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في مدينة نيويورك من حجم هذه المخاوف، بعدما حقق عدد من المرشحين المؤيدين للفلسطينيين والمقربين من رئيس البلدية زهران ممداني مكاسب لافتة، في مؤشر يراه مراقبون انعكاسًا لتحولات أوسع داخل القاعدة الديمقراطية الأمريكية.
تغيرات عميقة في الرأي العام الأمريكي
ويقول مسؤولون ودبلوماسيون إسرائيليون سابقون إن هذه التطورات لا تعني بالضرورة تراجع التحالف الأمريكي الإسرائيلي بشكل فوري، لكنها تكشف عن تغيرات عميقة في الرأي العام الأمريكي قد تنعكس مستقبلًا على السياسات الرسمية في واشنطن. وحذر خبراء في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية من أن تل أبيب قد لا تتمكن مستقبلًا من الاعتماد على مستويات الدعم نفسها التي حصلت عليها لعقود، سواء في صورة مساعدات عسكرية سنوية بمليارات الدولارات، أو من خلال الحماية السياسية والدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي.
الحرب على غزة تغير صورة إسرائيل
ويشير محللون إلى أن الحرب الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023 لعبت دورًا رئيسيًا في تراجع صورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الأمريكيين. فمع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين الفلسطينيين وتفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع، تصاعدت الانتقادات داخل الولايات المتحدة، خاصة بين الشباب والديمقراطيين. وتعكس استطلاعات الرأي هذا التحول، إذ أظهرت نتائج حديثة تنامي التعاطف مع الفلسطينيين مقارنة بالسنوات السابقة، إلى جانب ارتفاع نسبة الأمريكيين الذين ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية.
القضية الفلسطينية تتصدر الحملات الانتخابية
ويرى مراقبون أن القضية الفلسطينية تحولت من ملف هامشي في السياسة الأمريكية إلى موضوع مركزي في الحملات الانتخابية، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي، حيث بات المرشحون يعلنون مواقفهم من إسرائيل بشكل أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. في المقابل، لا تقتصر الانتقادات على الديمقراطيين فقط، إذ برزت أصوات داخل التيار المحافظ والجمهوري تتساءل عن حجم المكاسب التي تحققها الولايات المتحدة من علاقتها الوثيقة بإسرائيل، خاصة بعد التوترات الإقليمية الأخيرة والحرب مع إيران وما صاحبها من مخاوف اقتصادية مرتبطة بأسعار الطاقة.
مستقبل التحالف بين البلدين
ورغم استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل حتى الآن، سواء من خلال صفقات الأسلحة أو المساعدات العسكرية والدعم الدبلوماسي، فإن العديد من الخبراء يرون أن بعض المسلمات التي حكمت العلاقة بين البلدين لعقود لم تعد مضمونة كما كانت في السابق. ويحذر هؤلاء من أن استمرار التباعد بين الرأي العام الأمريكي والسياسات الإسرائيلية قد يدفع الإدارات الأمريكية المقبلة إلى تبني مواقف أكثر تشددًا تجاه تل أبيب، سواء فيما يتعلق بالاستيطان أو المساعدات العسكرية أو حتى استخدام حق النقض «الفيتو» داخل الأمم المتحدة. ويشعر الإسرائيليون بأن الدعم الأمريكي الذي كان يُنظر إليه لعقود باعتباره أمرًا مسلمًا به، قد أصبح اليوم محل نقاش سياسي وشعبي متصاعد. وبينما لا يزال التحالف بين البلدين قائمًا وقويًا على المستوى الرسمي، فإن التحولات الجارية داخل المجتمع والسياسة الأمريكية تثير تساؤلات جدية في إسرائيل حول ما إذا كانت السنوات المقبلة ستشهد إعادة تعريف لطبيعة هذه العلاقة التاريخية وحدودها.



