كسروا الحلم والأمل.. قصة أحمد مالك مع الإخوان 11 عاماً
أحمد مالك: 11 عاماً في سجون الإخوان

في الـ24 من عمره، وجد أحمد مالك نفسه يواجه واقعاً قانونياً معقداً لم يدرك أبعاده تماماً. حاول التمسك بإنكار كل شيء: انتماءه للجماعة، ذهابه إلى ميدان رابعة، مشاركته في أعمال عنف. لكن إنكاره اصطدم بحقائق مادية لا تقبل الشك؛ هاتفه المحمول كان يحمل صوراً له في قلب الميدان، ويضج باتصالات ورسائل تؤكد صلته بالتنظيم. كان الموقف عصيباً: شاب من أبناء التنظيم يعترف عليه، والتحريات تؤكد هويته، بينما كان الأمن يعمل جاهداً لإنجاز أكبر عدد من القضايا في ظل ضغط الأحداث المتلاحقة.

من ورق مهرّب إلى دراسة العلوم السياسية

بموجب القوانين التي أقرت آنذاك، أُحيل مالك للمحاكمة العسكرية، ليصدر ضده حكم بالسجن 10 سنوات. لم يواجه قضبان السجن فحسب، بل واجه انقطاعاً تاماً عن العالم الخارجي، حيث غابت المعلومة الحقيقية وحلّت محلها روايات قادة التنظيم المحتجزين معه. يتذكر كيف كان يتلقى أخبار الدنيا من هؤلاء القادة، الذين كانوا يدّعون معرفة المستجدات عبر «ورق مهرّب» أو تسريبات غامضة. في ذلك الحيز الضيق، عاش هو ومن معه تحت وطأة معلومة موجهة ومصدر وحيد، مما عزز لديهم القناعة بأن ما يمرون به هو مجرد أزمة سياسية وانتقام زيادة عن اللازم، بعيداً عن أي قراءة موضوعية للأحداث في الخارج.

لم يستسلم مالك لفراغ السجن، بل جعل من سنواته رحلة أكاديمية شاقة. تقدم لدبلومة في الكيمياء الحيوية وامتحن فيها خلف القضبان، لينال شهادتها بنجاح. طموحه لم يتوقف، فسعى لنيل دبلومة في إدارة الأعمال. جعل من محبسه مدرسة مفتوحة، فأخذ يدرس دورات في مقدمات العلوم السياسية، والاقتصاد الكلي، والتاريخ بفرعيه الحديث والمعاصر، وعكف على دراسة تاريخ الدول وتجارب الأمم، مستغرقاً في البحث في فروع العلوم السياسية، ليخرج من سنوات سجنه بعقل مختلف تماماً.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

صدمة القيادات الهاربة

الهواتف المهرّبة كانت وسيلة التواصل الوحيدة مع العالم داخل السجن. اندفع مالك للبحث عن أولئك الذين ألقوا به وبجيله في الأزمة: القيادات الذين رسموا لهم طريق الصمود من فوق المنابر. كانت الصدمة مروعة حين اطلع على أوضاعهم في الخارج، حيث وجد صراعاتهم المريرة، وانشقاقاتهم المخزية، وسلوكهم الذي لا يمت بصلة لما كانوا يبشرون به. أكثر ما يثير الاستفزاز لديه هو التناقض الأخلاقي الصارخ: أولئك الذين فروا بجلودهم، واستقروا في تركيا وغيرها، لم يكتفوا بالنجاة وترك ضحاياهم خلفهم، بل استمروا في ممارسة التحريض عن بُعد.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

سؤال واحد كشف التناقض

يتذكر مالك تلك اللحظة المفصلية أثناء التحقيق معه، حين واجهه المحقق بسؤال بسيط ولكنه عميق في دلالته. كان مالك يتحدث عن مطالب الجماعة في الحرية والديمقراطية، فباغته المحقق: «متى شاركت أنت في اختيار المرشد؟» صمت دون إجابة؛ فهو لم يشارك يوماً في اختيار رأس الجماعة، ولا أعضاء مكتب الإرشاد، ولا حتى أعضاء مجلس الشورى العام. بل إن الصدمة كانت في أنه لا يعرف حتى الهيكل الإداري والتقسيمات التنظيمية للجماعة في المحافظات، إلا من خلال كلمات الضابط أثناء التحقيق. ومن وقتها وهو يسأل نفسه: كيف دفعته الجماعة للنزول إلى الشارع ليُطالب بحق الاختيار في الدولة، بينما هو محروم من هذا الحق تماماً داخل الجماعة ذاتها؟

السجن كان مدرسة للنجاة

سنوات سجنه الطويلة، يعتبرها مالك «مدرسة إجبارية للنجاة بنفسه»، تعلم فيها دروساً قاسية. يرى أن يعيش جزءاً من حياته وهو مستوعب للحقيقة، خير من أن يعيش عمره كله حر الجسد مغيب العقل. في 19 نوفمبر 2025، غادر محبسه الضيق في السجن، ومحبسه الأكبر في التنظيم الإرهابي. الآن هو 35 عاماً، نصفها قبور الإخوان، وثلثها سجون، وقليلها حرية.