قال الشيخ محمود الهواري، الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، إن العلاقات الإسلامية المسيحية ليست ملفًا طارئًا أو قضية فرضتها الظروف السياسية، وإنما هي تاريخ ممتد وذاكرة إنسانية مشتركة. وأكد أن القرآن الكريم أسس لهذه العلاقة من منطلق الأصل الإنساني الواحد، مشيرًا إلى أن التنوع بين البشر ليس سببًا للعداوة أو الصراع، بل هو باب للتعارف والتعاون. وأوضح أن الاختلاف يمثل امتحانًا خلاقيًا يدعو الإنسان إلى احترام الآخر دون المساس بهويته أو كرامته.
السلام في التصور الديني
وأشار الهواري إلى أن السلام في التصور الديني لا يعني مجرد غياب الحروب أو الصراعات، وإنما هو حالة من الطمأنينة وبناء الإنسان. وأكد أن صانع السلام ليس شخصًا محايدًا، بل إنسان يشعر بآلام الآخرين ويسعى إلى مداواة الجراح ويرفض تحويلها إلى وقود للكراهية والانتقام. واستشهد بقصة هجرة المسلمين إلى الحبشة، مؤكدًا أنها تمثل واحدة من أبرز المحطات المؤسسة للعلاقات الإسلامية المسيحية، حيث وجه النبي محمد المسلمين إلى الهجرة إلى أرض الحبشة لأنها تضم «ملكًا لا يُظلم عنده أحد»، موضحًا أن موقف النجاشي يجسد قيمة العدل واحترام الإنسان بغض النظر عن اختلاف الدين.
الحوار الحقيقي والقيم المشتركة
وأضاف الهواري أن الحوار الحقيقي لا يقوم على المجاملة أو المصالح المؤقتة، بل على الاجتماع حول القيم الإنسانية المشتركة والثقة في وجود الخير لدى الآخر. وأكد أن حماية الإنسان واحترام حقوقه ليست تنازلاً عن العقيدة، وإنما تطبيق عملي لقيم العدل التي جاءت بها الأديان. وأوضح أن القرآن الكريم وضع قاعدة واضحة في التعامل مع غير المسلمين القائمة على البر والعدل، مشيرًا إلى أن التجربة المصرية تعد نموذجًا راسخًا للعيش المشترك، إذ عاش المسلمون والمسيحيون عبر قرون في وطن واحد.
الإرهاب والتطرف
وأشار الهواري إلى أن الإرهاب والتطرف لا يستهدفان دينًا بعينه، وإنما يستهدفان الوطن كله، وأن المتطرف لا يميز بين مسجد وكنيسة، ولا بين مسلم ومسيحي. وشدد على أن الاعتداء على دور العبادة أو استغلال النصوص الدينية لإشعال الصراعات لا يمت إلى صحيح الدين بصلة، مؤكدًا أن حماية الدماء وصيانة دور العبادة واحترام شركاء الوطن من المبادئ التي يقررها الشرع الإسلامي.
صناعة السلام برامج عملية
وتابع الهواري أن صناعة السلام لا تتحقق بالبيانات والمؤتمرات وحدها، وإنما تحتاج إلى تحويل القيم الإنسانية إلى برامج عملية في التعليم والثقافة والإعلام. وشدد على أن مصر بما تمتلكه من رصيد حضاري وديني قادرة على تقديم نموذج عالمي للحوار والتفاهم، يقوم على تحويل الاختلاف إلى رحمة، والوطنية إلى شراكة، والعدل إلى أساس للتعايش بين الجميع.



